ما زلت أذكر وصية أمي قبل دخول الجامعة «خليك زي الشرطية»، كنت أبتسم عندما أتصور نفسي بالزي الرسمي والمسدس والكلبشات على جانبي، الا أني فهمت أن أمي تريد أن تخبرني بعبارة أخرى أن أكون جدية، فهي جربت قبلي معنى الجامعات المختلطة، ولكنها لم تدرك مدى الصدمة التي واجهتها ابنتها التي انتقلت من مدرسة غير مختلطة الى محيط الاختلاط فيه هو السمة الأبرز!
لم تكن أمي هي الوحيدة التي حملتني بالوصايا، فمعها كانت مدرستي التي أوصتني وصديقاتي قائلة: «عندما تتعاملون مع الشباب في النشاطات إياكم وكثرة الحديث والأخذ والرد، ولا تشيروا الى أحد باسمه الأول، بل باسم عائلته، ولا تنادوه الا بلقب أخي أو استاذ أو حضرتك، ولا تتردوا على مكاتب الأساتذة دون حاجة، ففي المحاضرة مجال للاستيضاح، وفي المكتبة مجال للاستزادة، واذا اضطررتم الى الذهاب فاذهبوا جماعات ولا تذهبوا فرادى».
لم تكن أمهاتنا ومعلماتنا من أزمنة الديناصورات، ولا من العصر الحجري ولا دقة قديمة، كل ما في الأمر أنهن كن صاحبات خبرة، وأردن أن يجنبننا كثيرا من مآسي الاختلاط وكسر القلب والخاطر والالتهاء بغير النافع، ونسيان الأهداف الأهم من دخول الجامعة، وعلى الرغم من أن اخواننا المصريين يوصون بأن الكبير في السن والخبرة له قدره ووزنه، ويقول مثلهم الشعبي: «اللي مالوش كبير يشتريلوا كبير»، وعلى الرغم من أن أجدادنا من حكماء العرب نبهونا على أن النصيحة بجمل، الا أن أغلب الشباب يميلون الى التحدي، وكل يريد أن يجرب من كيسه ويتعلم دروسه حتى ولو بشيء من المعاناة، ليصل الى نتيجة قيلت له سابقا فدخلت في أذنه اليمنى وخرجت من اليسرى!
فتيات وشباب في مقتبل العمر وزهرة التفتح في أوساط مختلطة، فماذا كان يمنعنا من الخطأ في أقل صوره أو أكثرها؟! هل كنا حجارة مثلا لا قلوب لها ولا نبض ولا تتأثر بالكلمة الحلوة وبالشكل الوسيم وبالموقف الرجولي؟! هل عزلنا أنفسنا عن محيط الجامعة فلم نعرف الا قاعة الدرس والمكتبة والطريق بينهما والى البيت دون مكث أو ممارسة للنشاطات الجامعية؟! لماذا لم نطلق لأنفسنا وقلوبنا العنان أن تسرح وتمرح، ليتلاعب بها الهواء والهوى في غياب الرقابة؟ لماذا كنا نزن الكلمة والموقف ونحسب لهما حسابا، ونحاسب أنفسنا على النظرة والابتسامة والوقفة؟
لقد أفادتنا الصرامة التي هذبنا بها أنفسنا في تجنب الكثير من الخيبات، والكسور النفسية، وتجاوز مرحلة نعلم الآن أنها كانت غضة تفتقر الى الخبرة، وأننا بعدها نضجنا وكبرنا كثيرا وعدنا ننظر اليها كمرحلة نمو كنا نظن فيها أننا بلغنا أشدنا، وهي لم تكن سوى خطوة بسيطة في مراحل بناء الذات التي لم تكتمل حتى اليوم، ولعلها لا تكتمل الا ببلوغ النهاية، فالانسان يظل يتعلم وينضج حتى آخر يوم من عمره.
نكذب إن قلنا إننا لم نعجب بصفة أو خُلق في شاب من شباب أيامنا، ولكننا كنا نُخضع هذا الاعجاب لاعتبارات كثيرة أولها خشية الله ومراقبته، وهل يرضى الله ذلك منا أم لا يرضاه، فإن قال قائل إن الحب ليس حراما نقول نعم، ولكن ما نفعله بعد ذلك بهذا الحب والمشاعر الأولية هو ما يحدد أيبقى حلالا أم يصير حراما، ماذا نفعل بحب ليس له مستقبل شرعي؟ نحب ونعذب قلوبنا ونمرض أجسادنا ونشغل أنفسنا ونقعدها عن العمل، فلا نحصل عنب الحب ولا بلح الدراسة، ونخرج بخفي حنين من سنوات الجامعة دون أن ندخل القفص الذهبي ودون أن نحصل شهادة!
أما الحب الحلال فليس له سوى طريق واحد مختصر في النور، لا يمر بمراحل ولا تحويلات ولا التفافات، ولكن كم من شباب المدارس والجامعات يملكون الوعي والقدرة المادية لكي يتكلل هذا الحب بالنجاح؟ وإذا لم نملك الاستطاعة والقدرة على الإنفاذ وتحقيق الحب هل نخضع نفوسا غضة لما لا نعرفه ولا نتحكم به من القدر الغيبي لسنوات عديدة! ونستمر بعلاقة لا نعرف مداها على أمل قد ينجلي عن سراب؟!
فكيف إذاً كنا نواجه مفاعلات الحب الذرية التي تتفجر في نفوس الشباب بحكم العمر وانفتاح المجتمع، ما دامت قلوبنا ليست من حجارة؟
كنا نواجهها بكثير من العقل والتعقل، فالمرء يحب بعقله كما يحب بقلبه، والعقل كان يقول إننا نحترم أنفسنا ولا نسلمها لكائن من كان ليعلب بها، ونحترم أهلنا الذين أحسنوا الينا ولا نخون ثقتهم، وبكثير من خشية الله ومراقبة النفس وبالصيام كما أوصى الحديث الشريف، وبشغل النفس بالمفيد، فالعشق كما يقول أفلاطون: «حركة النفس الفارغة، وهو جهل عارضٌ صادفَ قلبا فارغا لا شغل له». وقلبك اذا لم تشغله بالتعقل سيستخفك وتلعب بك المشاعر، ولذا عالجنا هذه النوازع بالعمل في مجتمع الجامعة ومجالس الطلبة والأندية، وما بينها وبين الدراسة لم يعد للقلب وقت أن يفكر في نفسه، أو ينظر الى هذا أو تلك، ولما جاء وقت الحب الحقيقي والممكن الذي يرضى عنه الله ويرضينا وأهالينا كان أجمل وأكثر شاعرية، وأبقى من حب جميل وبثينة وعنترة، ومن كل ما كتب الشعراء وغنى المغنون.
يا شباب انتظروا، فالزمن الجميل والحب الأصيل لم يأت بعد، وفي وقت الانتظار استثمروا في عقولكم وأخلاقكم وأعمالكم لتكونوا أهلا لتحقيق آية من آيات الله، لأجلها خلق أباكم آدم وأمكم حواء، وجعلهما خلفاءه في الأرض.
الأمر أكبر بكثير من أن أحبها وتحبني، وأملي أن لا تتعلموا الدرس بالطريقة القاسية.


