السبت 24 يناير 2026 الساعة 09:15 ص

مقالات وآراء

وسام المواطنة والنزاهة من الدرجة الأولى

حجم الخط

 

عندما دخل الباص المتجه بركابه الى الكرك لحضور مهرجان الأقصى، ظننت أني رأيت هذا الرجل من قبل ثم أدركت أنه الكاتب الساخر المعروف أحمد حسن الزعبي!

 

يقال إنه حتى تعرف أخلاق المرء يجب أن تسافر معه، وأربع ساعات ذهابا ومثلها إيابا كانت مدة كافية لأرى أن الكاتب المشهور هو ذاته الرجل الإنسان! فالكتاب يستطيعون أن يتجملوا ويمثلوا ويتملقوا من خلال الورق أو شاشة الكمبيوتر في العالم الافتراضي، ولكن المواجهة مع الناس ومع قرائهم تضعهم على المحك فينكشف الستر ولا ينجح في الامتحان الا من يفعل ما يقول ويتمثل ما يكتب، كانت رحلة الكرك فرصة لمتابعة الكاتب الكبير في غفلة منه لتقديم شهادة إنسانية في حقه ووجه آخر لا يعرفه عامة جمهوره.

 

ليس في أحمد حسن الزعبي الجخة الفارغة التي تتلبس الناس عندما تبدأ أسماؤهم باللمعان، فقد كان مرتاحا لركوب الباص ولم تكن فيه أنفة التعالي وكأنه قد ركبه مئات المرات طوال حياته وله تجارب مع الكنترول والزحمة والأجرة، وكان مستمتعا برفاق الطريق يهش ويبش ويجيب عن الأسئلة في تواضع عجيب جعلني أقول في نفسي: هذا الرجل لا يعرف قدره عند الناس! فنحن معتادون على الأغلب أن الشهرة تعني التنكر للناس والنظر اليهم من علو والتنظير عليهم وعلى ما يبدو أن هذا الكاتب لا يعرف مدى شهرته!

 

في الاستراحة خرج من الباص واشترى شيبسا من أبو العشرين قرشا، واتكأ على الحائط يأكله مثل بقية الخلق وبقية الأردنيين المشحرين فرددت مرة أخرى: هذا الرجل لا يعرف قدره عند الناس! سلمت عليه وناقشته حول مسرحيته «الآن فهمتكم»، واعترضت على بعض الأشياء فيها وكان صدره رحبا متقبلا للنقد، ولم تأخذه العزة أو رأى نفسه فوق المساءلة لمجرد أنه يمتلك سلطة الكلمة والقلم، وبهما ملك قلوب آلاف الناس ونقله محبوه من الأفق المحلي المحصور الى الأفق العربي والعالمي بتناقل كتاباته في مواقع التواصل الاجتماعي وتعريف الناس به.

 

في الكرك حضر حفل تكريمه كأحد الكتاب الوطنيين الاصلاحيين، واستمع للمحاضرات التي سبقت باهتمام واندمج مع الحضور وأكل المنسف وصلى جماعة، ولم تظهر عليه أي علامات كِبر أو زهو فقلت في نفسي: هذا الرجل لا يعرف قدره عند الناس!

لقد كان أيضا وفيا لتربية أمه التي يذكرها مرارا في مقالاته كامرأة أردنية أصيلة من الزمن الجميل، ولما وصلنا عمان ليلا ظن أنني وابنتي لا نملك سيارة فعرض أن يوصلنا الى البيت أو يمشي معنا لنصل الى السيارة، فزاد على التواضع شهامة ونخوة وحرصا أصبح من النادر وجوده، وهذا جعلني أتأكد أن الرجل ليس طبيعيا، فبين الإبداع والجنون شعرة ويبدو أنه بأصالته، في زمن النذالة، أدرك الإبداع والجنون معا!

 

صاحب كرمة العلي كان إنسانا ورجلا بكل ما تحمله الكلمة من معنى قبل أن يكون كاتبا، رأيته في عالم الحقيقة فكان بعلو أخلاقة ومبادئه في العالم الافتراضي، وهو اليوم يكتسب شهادة ووساما جديدا في النزاهة والمواطنة، فمن ينتقده ويحاكمه المسؤولون هو إنسان شريف عفيف، وكاتب حريص على الوطن والمواطن، ومن يعتقد أنه بإمكانه أن يُسكت الزعبي فقد خاب فأله، فالرجل والكاتب تجاوز مرحلة الإسكات والتحديد والتضييق، والقراء يبحثون عنه محظورا ومنشورا، وقراؤه هم وكالة أنبائه الخاصة غير المدفوعة الأجر، فهم ينشرون له ما لا ينشره له مقص الرقيب، ويتلقفون كلماته بمجرد نشرها كما يتلقى الجوعى الخبز الساخن ليمدهم بطاقة الحياة.

 

لقد نجح أحمد حسن الزعبي لأنه يشبهنا، أو كما قال اخوتنا المصرييون: واحد زينّا، واحد مننا، نرى في كلماته وطنا يوجعنا ونظل نحبه، وطنا لا انفكاك عنه الا بخروج الروح من الجسد.

 

لقد راهن الزعبي على الحصان الرابح وعلى الوطن والمواطن، فكسب حبا واحتراما لشخصه، وكان لكلماته الأثر الذي أراده في تعميق الولاء والانتماء للوطن.

 

تحية لأحمد حسن الزعبي، الرجل والكاتب الصادق.