الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 01:58 م

مقالات وآراء

استدراك واجب

حجم الخط

 

عطفاً على مقالي المنشور في «السبيل» يوم الخميس 6-12-2012 بعنوان «برغم أنف البي بي سي» بخصوص مناظرات العربي الجديد The New Arab Debatesفقد وصلني توضيح من مسؤولة الاعلام والاتصال للمناظرات الاعلامية رنا صباغ، أن المناظرات لا تتبع لـ»بي بي سي» وإنما تمولها الوكالة السويدية ومكتب التعاون العربي في الكومنولث، وستبث على التلفزيون الألماني، والسبب في الخلط الذي وقعت فيه هو محادثتي الأولى مع المنتجة الأجنبية، حيث أخبرتني أن مدير الحوار هو تيم سبستيان مقدم برامج الحوار المعروف على «بي بي سي» سابقا؛ مما جعلني أفترض أن المناظرات تتبع لـ»بي بي سي»، وستبث عليها دون العودة الى الروابط المرفقة التعريفية، وعلى هذا أرسلت الدعوات إلى معارفي بأن الندوات تنظمها «بي بي سي»، ولدى الايميلات التي تثبت ذلك، أمَا وقد تبين أن هذه الندوات لا تتبع لـ»بي بي سي»، فيجب علي من باب أمانة الكلمة والأمانة مع القراء الأكارم بيان ذلك صراحة، والاعتذار إلى «بي بي سي» عن سوء الفهم بخصوص الجهة المنظمة للمناظرة في هذا الجانب فقط.

 

أما في غير ذلك، والشيء بالشيء يذكر، فما زلت أعتقد أن تغطية «بي بي سي»، وبخاصة فيما يتعلق بأخبار العرب والشرق الأوسط تبتعد عن الحيادية مسافات، وهذا ما خبرته في بلد المنشأ بريطانيا، حيث تمر أخبارنا مرور البرق بحيث لا تعرف من القاتل ومن المقتول ومن الجاني ومن المجني عليه، وإذا قالوا صراحة كانت أصابع الاتهام موجهة إلينا!

 

وبعد هذا الاعتذار عن سوء الفهم، والاستدراك الواجب الذي تقتضيه المهنية، فإن بقية مضمون المقال لا تغيير فيه، ولا خطأ، فما زلت شخصيا أعتقد أن سؤال ومغزى المناظرة ليس حياديا، وهو» هل الأردن على شفا الانقلاب السياسي واللااستقرار؟»، وفيه استقطاب حاد بين النعم واللا ولا يقبل البينية ولا الوسطية بين نعم، ولكن أو لا، ولكن تفتح مجالا لآراء أخرى وحلول أخرى، وآفاق أخرى بين البينين، اذا يجب على المحاورين ان يكونا على طرفي نقيض في مسألة حساسة كما أراها تتعلق باستقراء مستقبل الوطن من قبل المفكرين وقادة الرأي في المجتمع، وكان الأحرى بأن يكون موضوع المناظرة عنوانا عاما مثل «الإصلاح في الأردن»، ثم تتوجه الأسئلة الى علاج الشق المتعلق بمستقبل الأردن والاصلاح، واذا كانت الأمور ستبقى سليمة، أو تتجه نحو التصعيد والفلتان، فالعناوين العامة لا تستفز في المشاركين أو الحضور مشاعر الهجوم او الدفاع عن وجهات نظرهم، والتخندق مع هذا او ذاك وإنما توجه الحوار والأنظار الى الحقائق والحجج المنطقية، ويكون الحُكم والفوز عند أصحاب العقول للمحاور صاحب البينة والبرهان، لا صاحب الصوت العالي والجعجعة!

 

إن الإعداد لمثل هذه المناظرات لا يجب أن يعتمد على التحكم الدقيق بالمدخلات للتحكم بالمخرجات والجذب والتوجية المسبق؛ بحيث تصبح المناظرة كالمسرحية التي يؤدي فيها كل دوره stage managedمع بقاء النهاية مفتوحة open endedلشيء من مساهمة الحضور وذلك بتصويتهم على سؤال المناظرة، والعرب أصبحوا خبراء في هذا النوع من المناظرات بعد سنوات من مشاهدة الاتجاه المعاكس الذي ما عاد يقدم حوارا ولا فكرا، ولكن صراعا وصوتا عاليا يفتقد الى أقل مقومات الأدب واللياقة والفكر!

 

وما زلت أعتقد أن الأمور التي تتعلق بمستقبل البلد وحياة وأرواح الناس لا يجب الحسم فيها، ولا يجب وضعها على المحك أبدا الا عندما تنعدم الحلول الأخرى، ويجب دائما الحفاظ على شعرة معاوية التي تجنب الناس المهالك، فهذا مقصد أصيل في السياسة الشرعية، وحتى لو كان الأمر لا يتعدى المحاورة الكلامية، فالكلام خطير ويعول عليه، وهو الذي يصنع الأفكار التي تتحول فيما بعد الى أفعال، ودور الإعلام في صناعة وتوجيه الآراء معروف ومثبت.

 

لقد أملنا من هذه المناظرة التي تخاطب جمهورا غربيا، أن تقدم صورة أصدق عن الحركة الاصلاحية التي تحاول تجنيب البلاد والشعب من السير في طريق لا رجعة فيه، وتحاول استخدام الطرق السلمية في التغيير التي يعرفها المجتمع الغربي وسلكها من قبل في اصلاح أنظمة الحكم في بلاده، لعل دور الغرب السلبي الذي اقتصر على التأييد والتصفيق للاصلاحات الشكلية التي أقدمت عليها الحكومات الأردنية المتعاقبة، يصبح أكثر إيجابية ودراية بوجهة نظر المواطنين ومساعيهم الجادة والحضارية للتغيير.

فهل الأردن على شفا الانقلاب السياسي واللااستقرار؟ مع أن الأوضاع تصبح من سيئ الى أسوأ بالحقائق والدلائل والأرقام، إلا أن جوابي عن سؤالهم لا، وآمل أن تظل اللا قائمة، وأن يتعقل صناع القرار في البلاد، ويغيروا بالحسنى ويستمعوا لأصوات شعبهم لا لإملاءات الخارج، ويتعلموا من تجاربهم لا من تجارب الجيران.

 

ونهج الحركة الإصلاحية كلما أقفلوا بابا فتحنا نافذة، ولن نصل مع شعبنا ولا وطننا الى مرحلة المفاصلة أبدا، ما دام هناك طريق لم نمشيها ووسيلة لم نجربها بعد.