هل هناك طريقة جراحية أنيقة لاستئصال السرطان الصهيوني؟
حاليا، رمت حماس على نحو غير متوقع بالصواريخ فلم تنفع بني صهيون قبتهم الحديدية إلا قليلا، وأدرك نتنياهو أنه تورط في مستنقع لم يحسب حسابه وأن العالم يتغير وأن على بني صهيون حك رؤوسهم جيدا للمستقبل.
ولكن في قناعتي أن هناك ما هو أخطر من الصواريخ، فما هو السبيل إلى ذلك يا ترى؟ لا بد من تفكيك المسألة..
إن معالجة معقدة لتغيير طبيعة الورم (السرطان) هي بالنفاذ إلى بنيته الأساسية في النواة، من خلال تغيير الشيفرة (الكود) الوراثية؛ وهذا يعني، بكلمات علم الاجتماع، تعديل العقيدة الصهيونية، في بناء دولة إسرائيل. وما أسهلها من مهمة! ناءت بحملها الجبال والسماوات والأرض وأشفقن منها وحملها بنو صهيون!
وإذا كانت منظمة التحرير قد حذفت بند تدمير دولة إسرائيل، فإن إسرائيل تعلم أطفالها حدود دولتها التي ليست لها حدود مثل أذرع السرطان.
وإذا حدث هذا بتعديل الكود الوراثي الصهيوني، كان معناه تعديلا جوهريا في بنية السرطان الصهيوني، وبداية تحوله إلى ورم حميد قابل للذوبان والاندماج في العضوية، أمام مظاهر ارتكاس البدن الحادة ضده؛ وهذا يعني بكلمة أخرى نهاية حلم بني صهيون!!
وإذا تغيرت بنية العقيدة الصهيونية لتتحول إلى دولة ديمقراطية، كان معناه أن كل ما فعلته العقيدة الصهيونية أصبح باطلا وقبض الريح، كما في تعبير داوود الجامعة في التوراة؛ وكان معناه أن كل ما خطط له آباء العقيدة أضحى حراثة في قاع المحيط، ونقشا على الهواء، ورسما على جداول شلالات نياجارا!!
إن هيكل إسرائيل زراعة غريبة، في جسم يرفضه، يتم ترويضه بالقوة لقبوله، وهذا لن يحدث ما لم تتغير طبيعة الأشياء. ولذا، فإن المشكلة الأساسية هي وجود إسرائيل في المنطقة، سواء بعد أو قبل عام 1948م، وما يفعله السياسيون الكذابون من المناداة بالسلام هو ضحك على ذقون العرب وذقن إسرائيل، وإسرائيل تعلم والسياسيون العرب يعلمون؛ والكل يعلم بأنه يكذب بقدر جبل!! وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون.
الحكام يمارسون دبلوماسية النفاق، ويعلمون أنهم كاذبون أفاقون مارقون، ولكن الشعوب أصدق لهجة في التعبير عن نفسها ببراءة وصدق.
ولكن علينا، أولا، أن نفهم أمورا في غاية الأهمية.. فدولة إسرائيل زرعها الغرب لعدة اعتبارات؛ وهي دولة تمتاز بعدة مزايا، فهي مصرف عبراني على حد تعبير النيهوم، وهي تكفير عن الهولوكوست الغربي، وهي خندق غربي متقدم، وبارجة مدججة بالسلاح المتفوق؛ كما أنها دولة عصرية تجمع نخبة من المفكرين والتقنيين، أهم ميزة فيهم أنهم يعرفون آخر ما وصلت إليه التقنية الغربية؛ وهي مجتمع يضم الأحرار المقاتلين الجاهزين للقتال في كل لحظة، فكل شاب صهيوني عنده أسلحته الخاصة الجاهزة، وتدريبه الدائم في كل سنة، ورقمه الخاص على جثمانه إن مات..
إنهم يشبهون إسبرطة القديمة في اليونان، ومجتمع المجاهدين من الصحابة الأقدمين، ولو غضب الأصوليون عندنا من هذا
التعبير.
إنها دولة ديمقراطية في داخل أحشائها لأبنائها، وهي جدا سمية عدوانية في جلدها الخارجي، مثل الأفعى المرجانية أو عنكبوت البحر الصغير الذي تكفي لدغة منه لقتل عشرة رجال فحول.
إنها تذكر بالآية شارون ونتنياهو ومن معه؛ رحماء بينهم أشداء على الفلسطينيين، تراهم يخضون رؤوسهم عند حائط المبكى مخضلة لحاهم من الدموع يبكون!!
عندهم تجتمع كل الحكومة في غرفة صغيرة متواضعة، مقابل قاعات ضخمة لوزرائنا، في سرر مرفوعة وزرابي مبثوثة ونمارق مصفوفة وكنبات عملاقة متباعدة لوزراء لا يزيدون على ديكور لحمي على ديكور خشبي! تقول إن كل وزير يعيش لوحده، ترفدهم صحافة كذابة مرتزقة تقوم بتخدير وعي وشعب مخدر في الأصل.
إنها دولة قومية عنصرية، ارتبطت نشأتها ببزوغ فكرة الدول القومية في أوربا في القرن التاسع عشر؛ ولذا فهي من هذا الجانب دولة ولدت متأخرة عن موعدها قرنا من الزمن، كما يحصل مع الحمل المتأخر، ويعرف الأطباء خطورة هذا، فيلجؤون إلى التحريض المبكر؛ فتلقيه الأم، كما جاء في قصة سليمان، جسدا هامدا على كرسي. وكذلك ولدت إسرائيل ميتة منذ نشأتها..
إن الحمل المتأخر يقضي على الجنين، فيولد الجنين طرحا ميتا كما يعرض الأم إلى انحلال الدم الخطير.
وكذلك ولدت إسرائيل، فألقيت على كرسي سليمان جسدا لا حياة فيه.. إنها موضة قديمة، كما في الملابس والموسيقى، دلفت إلى القرن الواحد والعشرين وهي تلبس ملابس رجال العصور الوسطى وكأنها في حفلة كرنفال؟
ولكن لا نستعجل!!
فصراعنا معها ضارٍ، طويل، ممض، مؤلم، قاس، مثل أي مخاض في غير موعده.. ولتعلمن نبأه بعد حين..
وفي الوقت الذي يميل فيه العالم إلى تشكيل الوحدات الكبيرة، كما في الوحدة الأوربية واتحاد أمريكا الشمالية من كندا حتى المكسيك، جاءت إسرائيل، على غير موعدها، بموضة الدولة القومية، من مخلفات القرن التاسع عشر، في الوقت الذي دفنت أوربا الدول القومية والأديان والمذاهب المحلية التي ولدت فيها وتنفست، وشكلت أعظم اتحاد إنساني عادل في تاريخ الإنسان، كعادة أوربا في التفتق العبقري.
هذه المرة اتحدت أوربا ليس بشعار ألمانيا فوق الجميع بل ألمانيا مثل الجميع، وهذا سيدوم أكثر من السلاح الذري البئيس، ومدرعات جودريان ومدفعية نابليون وبحرية نلسون، لأنه بالحق جاء وبه نزل، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا…
إن إسرائيل ولدت ميتة، وبذرتها وضعت في أرض صخرية ليست للحياة.
الغرب زرع إسرائيل لأنه أراد، بضربة مضاعفة، التخلص منهم والتظاهر بالإحسان إليهم، عن فظاعة ما جرى لهم في ظروف الحرب العالمية الثانية، على يد النازيين، بكرم غير مشهور عنهم، وبه جرى على حساب مائدة آخرين، وجاء هذا الإحسان الغربي على حساب العرب كما يقول الألمان، أي الإحسان تعويضا عما جرى لهم.
ولكنها كانت ضربة ذكية على حساب معاناة اليهود والعرب معا؛ وكما يقول المثل: «اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين)؛ فهم تخلصوا من إزعاجاتهم وسيطرتهم في أوربا ففرَّغوها منهم، وشحنوهم إلى الشرق، مثل فعلة الثعلب إذا ضاقت فروته بالبراغيث عفوا من التعبير، فحمل العرب أثقالا مع أثقالهم.


