الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:39 م

مقالات وآراء

برغم أنف الـ«بي بي سي»

حجم الخط

 

بقلب مثقل جدا، قررتُ أن أمثل الحركة الاسلامية في مناظرة قناة «بي بي سي» الانجليزية عن الاصلاح في الأردن ضمن برنامج مناظرات العربي الجديد The New Arab Debatesيوم الاثنين 10-12-2012، فقد كان صعبا علي أن أقول في بلدي ما لا أحبه حتى لو كان الفساد ظاهرا مستشريا قد عم وطم، وهو لا يحتاج الى بيان أو ايضاح لمن عنده نظر!

 

فقد تربينا أن من مظاهر حب الوطن أنك لا تسمّع به أمام الغرباء، وأن مشاكل البيت تُحل في البيت الداخلي، وأن الستر هو الأولى، وأن العمل للتغيير هو الأهم من كل الكلام، ولكن المبدئية هذه التي ربتنا عليها الحركة الاسلامية تبدو سذاجة أحيانا، وأدب في غير محله، والطرف المقابل لا يترك شاشة ولا ميدانا إعلاميا ولا قناة ولا جريدة عربية وغير عربية الا ويحتل الصفحات الرئيسية ليخبر أن الأوضاع في الأردن وردية! وأن من يعارض أو يقول بغير ذلك شيطان رجيم مأجور مأفون وصاحب أجندات مدعومة من الخارج!!

 

مغرقة في الولاء والشاعرية تربيتنا ونحن الذي أنشدنا صغارا:

بكتب اسمك يا بلادي على الشمس الما بتغيب

لا مالي ولا ولادي على حبك ما في حبيب

فكيف نقول في دار لا يليق لها الا الأشعار ما قد يسؤوها ويسيء اليها والينا؟!

بقلب مثقل دخلت في متاهات الأرقام وملفات الفساد التي ترهن مستقبل ابنتي وحفيدتي الى المجهول، وتبقيهم أسرى الدين والظلم واللامساواة!

 

وعلى الرغم من هذا القلب المثقل، قررت المشاركة مضطرة كاضطرار الطبيب الى العملية على أمل الشفاء؛ ليعلم العالم أن في بلدي حركة إصلاحية منتمية، مطالبها وطنية وعادلة، وأن الأردن قد بلغ مراتب عالية في الفساد وغياب العدالة الاجتماعية والحرية بشكل غير مسبوق في فترة تحررت فيها الشعوب العربية من كل ما يسلب إرادتها ومقدراتها ومستقبل أجيالها القادمة.

 

وأرادت منتجة البرنامج ان تسمع رأيي في عنوان الحلقة المحدد مسبقا من قبلهم: الأردن على شفا انقلاب سياسي وحالة من انعدام الاستقرارJordan on the brink of serious political turmoil and unrest، وقد كان ظنها أني سأعطيها جوابا عرمرميا توكيديا بالإيجاب؛ كوني أنتمي الى حزب يصنف على أنه حزب معارضة!! وقد استغربت أشد الاستغراب عندما أخبرتها بجوابي الذي طلبته مكتوبا وكان كالآتي: «بالطبع لا أتمنى لبلدي ذلك أبدا، وإننا في الحركة الاسلامية كجزء من جبهة كبيرة للاصلاح، سنفعل كل ما بوسعنا لتجنيب بلدنا وشعبنا ويلات النزاع وعدم الاستقرار، ولا نريد أن نصبح سوريا أخرى، ولكننا مع ذلك لن نخاف أو نقلص من مطالباتنا ونرضى بالفتات الذي تعرضه الحكومة مما لا يقدم ولا يؤخر، ولا يسمن من جوع. في العام الماضي حاولنا تقديم رؤيتنا لنسخة أردنية من «الربيع العربي» ممثلة بإصلاح وثورة بيضاء شعارها «الشعب يريد إصلاح النظام»، ومطالبنا بسيطة وغير تعجيزية؛ تتمثل في: اصلاح اقتصادي، وقضاء على الفساد، واصلاح قضائي يمنح القضاء استقلاليته، ويكفل محاكمة المدنيين أمام محاكم مدنية، وانشاء محكمة دستورية وقانون انتخابات يمثل جميع شرائح الشعب، ولا يفصل تفصيلا؛ لاستبعاد أطراف بعينها، وانتخابات نزيهة تؤدي الى مجلس برلماني يمثل إرادة الشعب وتنبثق منه حكومة منتخبة، واستعادة وتأميم الشركات الأردنية والمصادر والثروات الطبيعية، وضمان حرية التعبير ووسائل الاعلام».

 

وأضفت إلى الجواب أن «الحكومات المتعاقبة في واد والناس في واد! وهي تزداد ابتعادا عن حاجات ونبض الشارع الأردني يوما بعد يوم، وتقودهم الى طريق مسدود قد يؤدي لا سمح الله الى خروجهم مستقبلا عن دائرة المقبول عالميا وإنسانيا من العصيان المدني، والحركة الاصلاحية ما زالت تمارس منذ بداية الحراك الاصلاحي في الأردن أعلى درجات الانضباط والوطنية، وتغلب المصالح العليا للوطن، ونأمل ان تُقابل كل بوادر حسن النوايا هذه بتدخل حقيقي من النظام، يعيد ترتيب المشهد السياسي الأردني نحو إصلاح حقيقي يجنب البلاد الوصول الى ما تحمد عقباه؛ فالخيط بين الاستقرار والانفجار رفيع جدا، ولن يستطيع الحفاظ عليه إلا من يوازن الأمور بحكمة».

 

لم يعجب المنتجة جوابي، وردت علي أن حزبكم يختلف مع الحكومة على أشياء كثيرة، ولكنه لا يقول إن الأردن على شفا انقلاب سياسي وحالة من عدم الاستقرار! وبالتالي لن تنفع المناظرة مع المحاور الذي يمثل وجهة النظر الحكومية، واعتذرت إلي عن الدعوة، وأخبرتني أن بإمكاني الحضور مع الجمهور!

 

وقد أحضر فعلا لأرى من هو أو هي التي ستتنبأ بلا هوادة أن الأردن على شفا جرف هار؟! وأي مصلحة سيكسبها أي طرف عندما يصدر حكما قطعيا سيكون ضحاياه الوطن والمواطن من أجل ظهور إعلامي؟ وهل يستحق الظهور الاعلامي أن نجعل من الوطن كبش فداء، وأن نقود الناس الى حتفهم؟! أيمكن لعاقل أن يحكم بالنهاية، ويتنبأ بالعواصف وهو لم يسلك بعد كل سبل السلامة التي توصل السفينة والركاب الى بر الأمان بأكثر المكاسب وأقل الخسائر؟ أليست هذه صفات الربان القدير، وصفات القائد الذي يجب أن يتقدم لقيادة المجتمع؟

 

وغريب هو موقف «بي بي سي» التي يظنها العرب من أيام نكباتهم صوت الحق والموضوعية؛ من خلال إذاعتها العربية التي تجعل من نفسها طرفا في الحوار، وتتخذ موقفا مسبقا، وترتب الحوار لتحصل على نتيجة مسبقة بأبيض وأسود وصراع ديوك! وكأن من يتكلم عنه المحاورن ليس وطناً افتداه الشهداء بدمائهم، وحياة شعب ذاق الأمرين ليبقى كريما مرفوع الرأس.

 

هذه المواقف الاعلامية والدراسات، وبالذات الغربية منها، ليست بريئة ولا موضوعية ولا لمصلحة الأردن؛ فقد نشر سفير دولة العدو الصهيوني السابق في الأردن عوديد عران مقالا مطولا بعنوان (نهاية الأردن الذي كنا نعرف The End of Jordan as We Know It) يحذر فيه من تصاعد وتيرة الاحتجاجات في الأردن التي ستؤدي الى تغييرات جذرية تغير شكل الحكم، ومن قبله حذر طيف واسع من الصحافة الأجنبية من أن الإخوان يسعون لإسقاط الملك، ونشروا «مانشتيات» على شاكلة «آخر ملوك الهاشميين»! هذه غير الدراسات المحلية والاستشارات التي تصل الى النظام من الرجل الخفي المعروف بتوني الصباغ التي تحذر أيضا من الحركة الاسلامية والاصلاحية، وتدعو الى إقفال باب الحوار معهم، واللجوء الى الطرق التقليدية في القمع والتخويف وكسب واستعراض الولاء، وهذه المواقف كلها لا تصب في مصلحة الأردن ولا في مصلحة النظام، بل تعزله عن الشعب، وتغلق سبل الحوار والتعاون، مع أن الحركة الاصلاحية أكدت في مجموعها غير مرة أن هدف الاصلاح لا يستهدف النظام الهاشمي بأي حال من الأحوال، بل يعتبره صمام أمان واستقرار للبلاد،

 

سيخيب فأل سفير الكيان الصهيوني، فهو وشعبه المصطنع لم يعرفوا الأردن، ولا الأردنيين يوما، ولا نحن نريد أن نعرفهم، وبرغم أنف «بي بي سي» لن يصل الأردن الى شفا الانقلاب واللااستقرار، فليس أطول من نفس الحركة الاصلاحية السلمية، وهي مصرة على أن تحقيق مطالبها وتحفظ الوطن والمواطنين، اليد ممدودة كانت وما زالت وستبقى، ونأمل أن لا يرد علينا الصدى ويبقى المنادى عليهم في الأبراج العاجية لا يسمعون آهات الشعب ولا يأبهون لأمره.

ليس أسهل من إشعال النيران، ولكن هل سيستفيد من ذلك الوطن؟ الصعوبة أن تقدم للناس كل ما يريدون، وقد حفظت لهم نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، والوطن يستحق أن نركب الصعب من أجله.

 

القلب ما زال مثقلا حتى بعد أن «حَلَقت» لي «بي بي سي»، فقد جمعت معلومات عن الفساد في الأردن في كل الجوانب حتى ما عدت أعرف وطني، ولا أعرف كيف سكتنا ونسكت عن من لوثوا محيا الأردن بالأطماع حتى تجهما؟!

كتب غسان كنفاني: «أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله».

لم أخسر «بي بي سي»؛ فهي عندي ليست كثيرة أصلا، وما زلت أراهن بأننا سنكسب وطنا، وسنخرج للعالم لنكتب اسمه على الشمس التي لا تغيب.