غريبة هي بعض التصريحات من شخصيات رفيعة المستوى لها باع في السياسة والفكر، التي تخرج عن سياق الدبلوماسية واللياقة المعهودة في حوار المعارضة والآخر، وتكرر ما تتناقله الصحافة الصفراء والأقلام المأجورة التي تخون من يخالف وتسبل الولاء والانتماء على من يسير في ركاب السلطة!
غريبة أن يخرج ساسة بلدنا خارجه ليصوروا لشعوب العالم المتحضر طيفا عريضا من الشعب الأردني كمرتزقة بلا أخلاق ولا مبادئ ولا عقل يطبلون ويزمرون لمن يدفع لهم أكثر دون فهم ولا شرف ولا مروءة ليخرجوا هم من الذنب والمساءلة ويلقوا باللائمة على غيرهم!
غريبة أن يستطيع كبار ساستنا ومفكرونا أن يناقشوا ويحللوا أوضاعنا للعالم كله، بينما «يَحلقون للشعب على الناشف»! ولا نراهم على طاولة نقاش أو مائدة مستديرة أو مبادرة حوار واصلاح، بل يرفع رئيس الوزراء الأسعار ويتصدر مشهد البؤس والمهانة لوحده، مع انه في حقيقة الأمر لا يستطيع تحريك إصبعه من ذات نفسه!
لا نعرف كيف نفسر تصريح أن الحراكيين يتلقون 200 دينار للمشاركة في المسيرات سوى في خانة المضحك المبكي الذي نحتاجه أحيانا؛ كي نخفف من أوضاعنا ونفوسنا المحتقنة جراء خيبتنا من الاصلاح الرسمي الذي تمخض عن سراب بقيعة!
بودنا أن نعرف كم تلقى قيس العمري قبل أن يخرج ليضحي بحياته من أجل وطنه؟ لا بد من أن شباب حراك الطفيلة في صدد إكمال المليون الأول، فهم لا يقصرون من ناحية المسيرات غير أنهم بحاجة أيضا الى حساب إجازات السجن كي تدخل ضمن الدعم الذي يتلقونه من الحراك حتى يتحملوا ما لا يستطيع تحمله الا شخص معجون دمه ولحمه بحب الأردن.
أما الطالب تقي الدين الرواشدة سينتقل الى المدارس التي تتقاضي أقساطا ألفية بعد مشاركته بالمسيرات وسجنه وسينضم الى لائحة أصغر أغنياء العالم! أما المعلمون فلهم حساب فوق العادة فقد عطلوا وأضربوا لأجل عيون الحراك!
فبالله يا راعي الحراك علمنا أين مكتب تقديم بدل الخروج في المسيرات؛ لنقف عليه بدل مكاتب الدعم الحكومي، وانضموا يا أهل الأردن فيبدو أن هناك من يدفع أكثر من الحكومة! علمنا لماذا يشبه من يخرجون في مسيراتك أغلب الشعب الأردني المنتوف الريش ولا يبدو عليهم أثر 200 دينار التي تدفعها لكل مسيرة أم أنه التمويه والتضليل؟ علمنا لماذا يشارك في مسيراتك من ضيق عليهم في العمل والتعيين ونيل حسن السيرة والسلوك ما دام حالهم فوق الريح وتستطيع الإنفاق عليهم بمائتي دينار مقابل المسيرات؟ لماذا لا تدعم موازنة الحكومة يا راعي الحراك بما أنك تستطيع تقديم 200 دينار لمن يشارك في مسيراتك؟
إن أسوأ ما قد يقوم به مسؤول تجاه بلده هو إشاعة مثل هذه الصور عن شعبه مهما بلغت درجة الخلافات، فهو لا يشوه صورة الشعب فحسب بل الوطن كله! إن هذه التصريحات تأتي ضمن الحرب الإعلامية لشيطنة الخصم، والتقليل منه وتجريمه وتلطيخ سمعته وهي كمثل الإشاعات التي انتشرت في أثناء الثورة المصرية أن المتظاهرين في التحرير يصلهم كل شيء ووجبات الدجاج والكنتاكي، وأنهم مدعمون من أمريكا وغيرها.
ولكني وكل الحراكيين نقدم اعترافا صريحا علنيا وعلى الملأ لنزيل كل الشبهات بأنهم اخطؤوا في الحسبة، فالمدفوع أكثر بكثير من مائتي دينار، وهذا هو سبب الاصرار والنفس والهمة والعزيمة على الاستمرارية، هناك من يدفع أكثر ولا مجال لأحد أن يزاود عليه، لقد عرفه الحراكييون كما عرفه من قبلهم سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم أصابت المسلمين المجاعة في عام الرمادة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقدمت لعثمان ألف راحلة برا وطعاماً، فغدا التجار عليه فقالوا: بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة برا وطعاماً، بعنا حتى نوسع به على فقراء المدينة، فقال لهم عثمان : كم تربحوني على شرائي؟ قالوا: العشرة اثني عشر، قال: قد زادوني، قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال: زادوني بكل درهم عشرة! هل عندكم زيادة؟ قالوا: لا، قال: فأشهدكم معشر التجارة أنها صدقة على فقراء المدينة.
باع للمسلمين واشترى الله وقبل منه وبشره بقبول بيعه من قبل المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض».
لقد باع الحراكيون والإصلاحيون أنفسهم لله والوطن وهذه بيعة لا تُكال بميزان، ولا يزاود عليها أحد، فاللهم تقبل منهم واحفظهم وسدد خطاهم واحفظ الأردن عزيزا قويا.


