حديث متواضع. رجل وسيم. ثغر باسم. ولحية وخطها الشيب. ثقة بالنفس. إنساني النزعة. سلامي الاتجاه. بعيد عن الإخوان والتحيز والتحير والتحزب. قريب القلب لكل الاتجاهات. في عمر الأربعينيات. زمن النبوات وسن النضج. وقوة الشباب المتبقية. إنه الفيزيائي والمسلم المعتدل المتواضع السلامي خطيب المسجد الأموي السابق، ابن الشام العريق (أحمد معاذ الخطيب). لكل مذهب وملة شخصية كرزمائية مخلصة. هكذا راهن اليهود على المسيح المخلص الذي لم يأت. كما راهن المسيحيون بدورهم على عودة المسيح فلم يأت. ومازال الشيعة ينتظرون على باب السرداب، ويهتفون للإمام الاثني عشر، الذي مضى في رحلة غامضة ينتظرونه أن يعود فلم يعد. وكثير من الأحاديث التي تتكلم عن المهدي الذي يبعث في بلاد الشام فيقتل المسيح الدجال؛ فهل وجدت الثورة السورية أخيرا الشخصية الكرزمائية النظيفة، التي يمكن أن تمشي خلفه، وتهتدي به وتقتدي بما يقول؟ وهل يثبت (الخطيب) بدوره أنه بقدر حجم الثورة السورية؟ يروى عن شكري القوتلي وجمال عبدالناصر، حين قام القوتلي بأنبل عمل يقوم به سياسي؛ فتخلى من أجل الوحدة عن منصبه كرئيس جمهورية منتخب بشكل ديمقراطي، فسلم المنصب إلى ضابط انقلابي أهوج قاد العرب إلى هزيمة 67 م لاحقا. أقول أخلى له المكان ووعظه بنصيحة فقال له: الشعب المصري عشرون مليون خروف سهل قيادهم، أما الشعب السوري فهم أربعة ملايين قرد مشاغب فجرب حظك معهم؟
هذا الذي حدث، فالسوريون فرديون جدا، وهو مقتلهم، ومن هذا الثقب الملعون تسلل الانقلابي الدموي الأسد من فصيلة السنوريات؛ فأخضع الرقاب وذبح العباد ونهب البلد وأبار الاقتصاد، ونسف التعليم، ودمر البنية التحتية، فلا تعرف كيف تعمل، وحول ربع الشعب السوري إلى مخبرين ومخابرات، وكاتبي تقارير سرية بعضهم على بعض! هكذا فعل الملعون ويلحقه الملعون الحالي ابن الملعون السابق.
عاش الشعب السوري أثناءها بذل وانكسار وفقر ومهانة أربعة عقود. والتحدي الآن يتكرر من جديد أمام فردية السوريين، وحكمة الخطيب، الوجه الإنساني الذي يلمع بين ظلمات وأنقاض الخراب والحراب في سوريا.
أخشى ما أخشاه أن يكون الخطيب عليا المخذول الذي كان يقول لا رأي لمن لا يطاع. إن أطاعه الجهاديون والمقاتلون وحملة السلاح، واتبعوا فقد تشكل دماغ الثورة. والويل لجسم من دون رأس، وثورة من دون دماغ، وحماس من دون فكر، وعاطفة من دون توجيه.
