أخيرا وصلت النار حيث يعيش داعية السلام جودت سعيد في الجولان. إنها منطقة حدودية هادئة في منطقة محرم دخول أحد إليها إلا بتصريح من مخابرات النظام السوري ولكن دخلها الجيش الحر وبدأت رحى المعارك بين الجيشين. لماذا ينسحب الجيش النظامي ويترك المجال للجيش الحر بالدخول ثم معاقبة المنطقة بالقصف بمدافع الهاون؟ إنه سؤال مريب؟
عادة وبعد انسحاب الجيش الحر يبدأ التمشيط والتنكيل والحرق والاعتقالات. إنه القدر من جديد على الشراكسة الذي هربوا من قياصرة روسيا وسكنوا هذه المنطقة أن يفكروا في الرحيل من جديد. يبدو أن هناك شيئا غيرالشيء المفهوم عن مجريات الأحداث في بير عجم. حيث يدخل الجيش الحر وينسحب يأتي الجيش النظامي فيحرق ويخرق وينتقم.
هناك فكرة جهنمية تقول إن هناك نوعا من الاختراق للجيش الحر أن يأتي إلى قرية أو حارة أو منطقة لم تظهر طاعتها للنظام فيدخل ثم ينسحب فيكون ذلك مبررا أن ينتقم الجيش النظامي من أهل المنطقة الذين لم يعلنوا الموالاة والتأييد للنظام!
قد تكون الفكرة صحيحة وقد تكون خاطئة ولكنها واردة. هناك طرف يقول بقاء الثورة سلمية لن يكلف هذا الحجم من الضحايا والدمار.
الرأي الثاني يقول كان النظام سيقمع المظاهرات ويقتل الناس والنشطاء فيتسلى بصيدهم مثل طيور الحجل والقطا والغزلان البرية، ولسوف تنطفئ الثورة مع كثرة الضحايا.
الرأي الآخر يقول الجيش الحر هو تلك الحراسة للمظاهرات السلمية فهو تكتيك جديد؛ ولكن مشكلة ورطة التسلح أن الثورة تنتهي ويأتي دور المحاربين.
هنا هو فيصل جدل الثورة بين السلمية والعنف، وعلى من يلج هذا المدخل أن يختار أي درب يسلك؟
المشكلة من جديد أن الثورة ليس لها رأس ولو كان لها رأس ما انفجرت أصلا. إنها تسونامي اجتماعية أليس كذلك؟ لذا فيمكن القول أن الثورة تمشي وفق قانونها الخاص ربحت أو خسرت أو بعضا منهما؛ فليس هناك إطلاقية في كل عمل إنساني. كثير يقول أن كل عمل ينجز يأتي من بعده ليقول: (لو زيد في هذا ونقص في ذلك لكان أفضل، وهو من جملة العبر في استيلاء النقص على جملة البشر).
الجراح الخائب ينزف مريضه وقد يموت على الطاولة، والجراح النطاسي يضع التشخيص السليم، ويجري العملية الناجحة بأقل نزف، حتى لو كانت على القلب والشرايين؛ فهل عندنا جراحون اجتماعيون من هذا الطراز؟ أم أطباء قلوب من هذا المستوى؟
يعجبني الطرب الأندلسي المغربي حينما يصدح المغني فيقول: (محمد طبيب القلوب) ما نحتاجه الرحمة وطب القلوب، وألا نسفك الدم الحرام ونصل للهدف بأقل قدر من الجهد والمعاناة.


