الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:39 م

مقالات وآراء

قشة قصمت ظهر البعير

حجم الخط

إنه مثلٌ عربي قديم (القشة التي قصمت ظهر البعير). مع ذلك لم يشاهد أحد منا بعيراً هوى مع إضافة قشة على ظهره. إنه مثلٌ تجريدي يهدف إلى الفكرة الحدية في الأشياء. فهي فكرة فلسفية كما نرى تمت صياغتها بذكاء على شكل (مَثَل) دارج فانتشر. ينطبق هذا المثل على علم (الاجتماع) و(الفيزياء) و(الهندسة) و(الروح) و(الذرة) و(الكيمياء)، لنرى التطبيقات. هل يمكن أن نفهم أن شخصاً اسمه البوعزيزي يحرق نفسه فيحرق مفاصل نصف “درزن” من الأنظمة العربية؟ لماذا؟ لأن البوعزيزي كان قشة (جمل) عديد من الأنظمة العربية. المسألة ليست اقتصادية كما حاول كارل ماركس يوماً تفسير كل شيء. كما أنها ليست جنسية كما فكر فرويد تفسير كل أحداث التاريخ في ضوء مخارج الإنسان القذرة. قالت لي زوجتي يوماً لقد راجعت دائرة الهاتف اليوم. أنا صفر! قلت لها كيف؟ قالت أنا أمام الموظف لست شيئاً. نكرة. صفر.

 

أنا غير موجودة. هذا الانطباع ينقله في سوريا معظم الناس ومنه انفجرت الأوضاع. الماء يسخن مع رفع درجة الحرارة، ولكنه ومع تراكم الدرجات يصل عند حافة معينة إلى تغيير طبيعته. عند المائة ينقلب إلى بخار يطير بجناحين. وعند الدرجة صفر يخلد إلى النعاس متجمداً منتفخاً مغيراً طبيعته من ماء سائل إلى جليد قاس. سد (مأرب) في اليمن أصبح نموذج الكفر فانفجر، وكذلك سد (زيزون) في سوريا، بسبب أخطاء وتشققات خفيفة وتسربات لم يأبه لها أحد فانفجرت، وكذلك قدر الثورات في العالم العربي. لم يكن يتوقع أحد أن شخصاً في تونس يحرق نفسه فيهرب بن علي، ويطير مبارك، ويخلع صالح، ويوضع القذافي على الخازوق، وينتظر الأسد مصيراً أشد هولاً.

 

هل فكرنا يوماً لماذا يسيل الدمع مع البكاء. إنها توتر الروح في درجة معينة فإذا بلغتها سالت الدموع على المآقي والخدود. هل كان في تصور العلماء أن الذرة سوف تفصح عن تركيبها وأن فيها طاقة مودعة لم يحلم بها (زيوس) كبير آلهة الأولمب. وكان السر ليس فقط في انشطار ذرة اليورانيوم بل في الكتلة الحرجة. إذا دفعنا بالمدحم كتلتين ما تحت الحرجة فاندمجتا إلى الكتلة الحرجة تحقق الانفجار الذري الذي لا يُبقي ولا يذر. هل خطر في بالنا ما الفرق بين سوائل المعدة والأمعاء؟ اكتشف الأطباء أن هذا يعود لتركيز أيونات الهيدروجين؛ فإذا زادت احمضّ الوسط وإذا نقصت تقلون. كذلك علم الكمبيوتر كله من “شخطة” ونقطة، وكذلك الكود الوراثي من أربعة أحماض نووية. هذا القانون الساحق في الوجود يقرب لنا الفهم لماذا استعصت الثورة في سوريا ومشت بسرعة الريح في تونس. كلها قوانين ومعادلات في المجتمعات والنفوس والأفراد. نُقل لي عن جودت سعيد أن ما يحدث في سوريا هو ربما آخر حدث ضخم في تاريخ الإنسان، ولذا سيكون هائلاً مريعاً مغيراً كل خريطة الإنسان.