الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:39 م

مقالات وآراء

شعب على وشك انتهاء الصلاحية!

حجم الخط

 

تنتشر في السوق تجارة رائجة، ومحلات متخصصة تقوم على استيراد المواد الغذائية العالية الجودة قبل موعد انتهاء صلاحيتها بشهور قليلة، ثم تبيعها للمستهلكين بأسعار أقل من أسعارها المعتادة عند بداية طرحها في الأسواق، والناس يتهافتون على هذه التنزيلات كغيرها فهي وسيلة لشراء وتذوق ما لا تسمح به ميزانية الأسرة في الأحوال العادية، وقد تكون هذه هي الإيجابية الوحيدة بأن يشارك الفقراء أو محدودو الدخل الأغنياء في نوعية طعامهم!

 

ولكننا لا نُقارن مع الدول التي تحترم إنسانية مواطنيها وتعتقد أنهم يستحقون الأحسن من كل شيء فتجد اعلاناتهم تردد فكرة (أنت تستحق الأفضل you deserve the best) وهناك البضائع على اختلاف أنواعها لا يسمح لها بالاقتراب من تاريخ الانتهاء لاعتبارات مختلفة منها التجديد المستمر وعدم تكديس البضائع من موسم إلى آخر، ومنها قدسية مواسم التنزيلات المتكررة على مدار السنة التي توفر الأسعار الرخيصة بحق للمستهلكين على اختلاف امكانياتهم المادية وطبقاتهم الاجتماعية، ليس مرة واحدة وقريبا من نهاية عمر البضاعة على مبدأ «نستفيد منها بدل أن نتلفها أو في بطون الشعب بدل المزابل»، كما هي الحال عندنا، ولكن مرات ومرات ومرات حتى أصبح الأغنياء ينتظرون مواسم التنزيلات تماما كالفقراء، هذا بالإضافة الى المراقبة الصارمة لمواعيد الصلاحية ورفع البضاعة من الأسواق قبل وقت كاف، يصل في بعض الدول الغربية الى ما قبل ستة أشهر من انتهاء الصلاحية؛ ذلك لأن الدولة مسؤولة عن صحة مواطنيها ومعالجتهم فهي تحرص عليها من باب إنساني وحقوقي، ومن باب اقتصادي لتخفيض الكلف العلاجية على الدولة في حالة التضرر من تقصيرها في المتابعة.

 

هذه العقلية في التهافت تجارا ومستهلكين على البضائع في رمقها الأخير لا تقتصر على الغذاء فقط، فغذاء الناس يؤثر كثيرا في مشاعرهم وتصرفاتهم، بل أصبحت عقلية متجذرة وممارسات متكررة فكل شيء في حياتنا أصبح يخضع لمبدأ الفرصة الأخيرة، وحالة الطوارئ، وتدارك ما يمكن تداركه، وحكومات إنقاذ الموقف، وليس هناك تخطيط استراتيجي وتنمية مستدامة ومراجعات دورية! والفرق كبير بين الارتجال وبين امتلاك رؤية ووسائل تنفيذ، وهو الفرق بين الدول المتحضرة وبيننا، فعندهم خطط الطوارئ نادرة الاستخدام ولكل خطة أصيلة plan Aخطة بديلة plan Bتضمن تحصيل نفس النتائج المرجوة، وهذه الخطط لها إطار زمني، وكل مرحلة لها وقت للتنفيذ، فلا يمكن الوصول الى اللحظة الأخيرة والثمار ما زالت لم تُقطف بعد، وإلا لانهارت الشركات الكبرى التي تمسك بعصب الحياة منذ زمن، فالتقييم المستمر والملازم لتنفيذ الخطة يضمن عدم الوصول الى مرحلة مغلقة cul-de-sacتجبر الجميع على اللجوء الى الخيارات الصعبة التي تفرض عليهم ما لا يريدون من باب «أن ليس بالإمكان أبدع مما كان، و أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا، وعصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة، وأعطيني أمن وأمان وارمني في البحر»! وغيرها من سياسات الضحك على الذقون، وتأجيل المشاريع الكبرى والطموحات والاستحقاقات الى ما لا نهاية!

ألا نستحق كشعب بداية مبشرة وصفحة جديدة وتوبة نصوحا تَجُب كل تقصير قبلها؟ لماذا يجب أن نرقع في كل شيء؟ طعامنا ترقيع! تعليمنا ترقيع! سياساتنا ترقيع! اقتصادنا بلا معالم من كثرة الرقع والمساعدات، إصلاحنا في نسخته الرسمية لوحة سريالية في الترقيع لا يُفهم أولها من آخرها! وما زلنا نتبجح ونفاخر بأننا أحسن من غيرنا! والسؤال أحسن من من؟ وفي ماذا؟ وبأي مقاييس؟ والى أي درك وصلنا في المقارنة؟!

ألا نستحق كشعب بواكير الثمار والنجاحات ووجه البكسة، بدل أن نرضى بالمضروب والمعطوب والنص كم والنص عمر والمستعمل والسكراب؟!

 

لن نلقي باللائمة على المسؤولين، فهم بالنهاية تجار ولو كانوا يلبسون عباءة السياسة، والدلالة على ذلك أن مبادئهم تخضع للبيع والمقايضة في سوق المناصب، فالمستهلكون هم الذين يملون سياسة البيع والعرض والطلب، فأبسط قانون في السوق يقول إن المستهلك دائما على حق the customer is always rightوالمتسهلك الذي يرضى بالدون لن يجد تاجرا يُتعب نفسه ليبحث له عن الأفضل!

لقد كان الشنفرى شاعرا صعلوكا من صعاليك العرب، ولكنه كان صاحب عزيمة وهمة ولم يقبل أن يكون ألعوبة بيد الغير، فرضي أن يأكل التراب، ولا أن يتحكم الفاسدون بمصيره فقال:

وَأَسْتَـفُّ تُرْبَ الأرْضِ كَيْلا يُرَى لَـهُ

عَلَـيَّ مِنَ الطَّـوْلِ امْـرُؤٌ مُتَطَـوِّلُ

ولولا اجْتِنَابُ الذَأْمِ لم يُلْـفَ مَشْـرَبٌ

يُعَـاشُ بـه إلاّ لَـدَيَّ وَمَأْكَـلُ

وَلكِنّ نَفْسَـاً مُـرَّةً لا تُقِيـمُ بـي

علـى الـذامِ إلاَّ رَيْثَمـا أَتَحَـوَّلُ

فهل أصبحنا أقل منزلة من الصعاليك؟