الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:39 م

مقالات وآراء

إثبات الحجة برفع الصوت

حجم الخط

 

في برنامج الاتجاه المعاكس بتاريخ 25 سبتمبر 2012م كان المدافع عن النظام السوري (الأكاديمي كذا!) يؤكد ظاهرة الصوت وقعقعة الحنجرة ورفع مستوى «الديسبل» من موجات الصوت بما يؤذي طبلة الأذن وعظيمات السمع المسكينة وتتابع طلقات الكلام وتلوث الجو بغبار النكرة أن العالم العربي فيه نسبة ليست بسيطة تعتقد أن الحنجرة خير من العقل وطبقة الصوت خير دليل في الإقناع والإمتاع وعمق الحجة. يرحمك الله أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة. بقدر زيادة طبقة الصوت والصراخ والتشنج بقدر بيان الحجة وقوتها.

 

كان فم المتحدث المصري المدافع عن نظام الأسد أشبه بموتور ديزل. لو قارنت موتور المازوت في ضخ مياه الحقل وفوهة هذا الرجل لم يكن الفرق كبيرا. كان العسكري السوري يضبط نفسه جدا أمام طائفة جديدة من المدافعين عن النظام السوري بأجر ومتبرعا، متعجبا من (النبيحة) بعد (الشبيحة)!. هذه الظاهرة في الشارع العربي ومن أشخاص يدعون انتسابهم للبحث العلمي يجعلنا نفهم لماذا كان العالم العربي يسبح في الجهالة في أوقيانوس من أنصاف الأميين.

 

الأميون تحفظهم مناعة المنطق البدائي أما أنصاف المثقفين فالكارثة وليس غيرها. في القرآن يأتي الحديث عن أهل الكتاب الذين هم أنصاف المتعلمين يجندون الثقافة للطغيان. هناك ثلاث أمثلة للتزييف كما جاء في محكم التنزيل. يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله. يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله.

 

ثم النوع الثالث الأخطر: لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون. كان دور المثقف منذ أيام الفرعون بيبي الثاني تزوير الحقائق لتكريس الطغيان؛ فكان يخرج الثنائي فرعون ورئيس الكهنة جنبا إلى جنب فيلوحون للجماهير المستعبدة أن هذه هي إرادة الله. بالمقابل ذكر القرآن كثيرا من صفات أهل العلم أنهم يبلغون رسالات الله ولا يخشون أحدا إلا الله.

 

ولعن القرآن أولئك الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. وفي مكان آخر يقول إنه أخذ العهد منهم أن لا يكتموا البينات. ومنه نعرف أن مهمة المثقف الحقيقي ليست سهلة كما يقول تشومسكي ويصفها: أنه الصدع بالحق في وجه القوة، ولكن تشومسكي يعيش في أمريكا وليس في سوريا.

 

من تراثنا نعلم أن النقاش له شروط عشرة أهمها أن نبتعد عن المراء وهو قهر الخصم بأي ثمن ووسيلة. في الاتجاه المعاكس تكون الحلقة ناجحة إذا ثار غبار الكلمات وحميت المهاترات وارتفع الصوت مجلجلا بما يصخ الآذان. ومنه يخسر المستمع وقته؛ وإن كان الكثيرون يطربون على هذا اللون من صراع ديكة الثقافة كما في المكسيك مع جولات مقاتل الديكة. ولكن يجب أن نعترف أن هذا البرنامج يكشف عورة المجتمع العربي بأنه في عمومه لا يحتوي أولئك المثقفين الباحثين عن الحقيقة ولو على لسان خصومهم.