كانت الساعة تشير إلى تمام السابعة من مساء يوم الخميس الموافق 27-9-2012م حينما اعتلى مرة أخرى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس منبر الأمم المتحدة. الجديد هذه المرة كان ما ينتظره مختلف الحاضرين للجلسة من إعلانه طلب قبول فلسطين كـ” عضو مراقب” في الأمم المتحدة، ويمكن عقب متابعة الكلمة بتفحص وتمعن شديد، الخروج بالنتائج التالية:
1- الكلمة فصلت كالعادة الوضع الفلسطيني وأكدت أن السلطة الفلسطينية قدمت ما عليها من “إلتزامات” بحسب وصف رئيس السلطة دون مكافئتها وإعطاءها ما ترضى عنه من قبل العدو. أما أنا فأعتقد أن السلطة قدمت كل خدماتها المجانية بدقة وموضوعية تلبية لرغبات العدو الصهيوني، بل وضربت أي محاولة للتنغيص عليه وإثارة قلقله من قبل أي طرف فلسطيني حاول الدفاع عن دياره وحقول زيتونه التي ضجت من غطرسة قطعان المغتصبين الصهاينة ( وحتى لا نُتهم بالتجني كالعادة فسرداب حماس الأخير خير مثال على ذلك).
2- طالب “عباس” في خطابه بإلزام ( الحكومة الإسرائيلية)- التي يبدو أنه يخشى وصفها بحكومة احتلال كما تُقر بذلك كل الأعراف الدولية- باحترام اتفاقيات والتحقيق في ظروف اعتقال الأسرى وضرورة الإفراج عنهم، وأنا أسأله: كيف سيفرج العدو والمحتل الغاصب عن أسرى فلسطين ويستجيب لدعوتك وأنت الذي تعتقل العشرات من أبناء شعبنا لمجرد رأيهم السياسي، وتشن الحملة تلو الأخرى بحقهم، ثم ما هي أداة القوة لديك لتتحدث عن إلزام الاحتلال، إن الذي لا يمتلك السيف لا ينبغي أن يهدد.
3- بعد هذه السنوات خرج “عباس” باستنتاج مفاده أن العدو الصهيوني يرفض حل الدولتين، وهو المطلب الذي ذبح لأجل تحقيقه أبناء شعبه وطاردهم وأدار الظهر لهم وتركهم يذبحون في غزة في العام 2009م وسلمهم للاحتلال في أكثر من مرة، وهو المطلب الذي أعلن الكل الفلسطيني رفضه من خلال مواقف مُعلنة، وسؤالي ما دام الاحتلال الصهيوني يرفض هذا المطلب المرفوض وطنيا من قبل الفلسطينيين بالأصل والذي قدم له “عباس” وزبانيته كل التنازلات والخيانات بأشكالها المختلفة، فماذا يريد؟ إنه يتمنى يا “عباس” أن يستيقظ يوما فلا يجد فلسطينيا واحدا، وحينها لن يتركك تحكم بلادا بلا عباد، وإنما سينتهي منك على الفور؛ لأن مهمة الخائن دوما تتمثل في الانتهاء منه بعد إنجاز مهمته، وبإمكانك أخذ العبرة من التاريخ وليس من المحيطين بك.
4- أصر “عباس” في خطابه على أنه يريد دولة عاصمتها “القدس الشرقية”، وهذا يؤكد غباءً تفاوضياً منقطع النظير، فلو سألت تاجرا “جديدا في موضوع التجارة” ويريد أي شخص شراء كيلو بندورة منه، ستجد التاجر يطلب في كيلو البندورة خمسة شواكل، وعندما يفاوضه القادم للشراء سيقول له بثلاثة أو أربعة، يعني أنه سيخفض السعر ويكون التاجر كسبان في النهاية، فما بالك أنت تريد قدسا شرقية، وأنا أسأل، بماذا سيرد عليك العدو الصهيوني- هذا إن قبل طرح الأمر على طاولة التفاوض- هل سيعطيك باب العامود مثلا أو جزءا من القدس التي تريدها. إن المفاوض الناجح دوما يطلب الكثير ليحصل على القليل، أما أن يطلب القليل فلن يحصل إلا على خيبة في وجهه. ثم كيف شعرت عندما طالبت بعاصمة تكون القدس الشرقية والرئيس المصري طالب بعاصمة هي القدس كاملة!!، أو بسؤال آخر هل بقي في وجهك دم حينها؟؟.
5- أكد “عباس” أنه مستمر بمد يده صادقا إلى من وصفهم بـ( الشعب الإسرائيلي). شذاذ الآفاق والفاسدون والمنحلون الذين طردتهم الدول التي كانوا فيها منحهم “عباس” لقب ( الشعب)، وهو بذلك يهب لمن يشاء وكيف شاء وطنا لا يملكه، تماما مثلما فعل “بلفور”، وهو بعد كل اللطمات التي وجهوها إليه يكافئهم بأوصاف وألقاب تثبت شرعيتهم، فأي رئيس أنت؟.
6- طالب “عباس” المجتمعين بمنح فلسطين لقب دولة “غير عضو” أو مراقب في منظمة الأمم المتحدة، غير أنه أكد أن هذا المسعى لا يهدف إلى نزع الشرعية عما وصفها بــ( دولة قائمة هي إسرائيل)، بل إلى تكريس دولة يجب أن تُقام، هي فلسطين. وأنا أسأل ما معنى الدولة غير العضو في الأمم المتحدة؟. أسأل حتى لا نبقى نسير بلا منهج، ولنعلم الفائدة المرجوة من هذه الخطوة، وأنا أقتبس تعريفا للأستاذ نواف أبو الهيجاء حول هذا الموضوع، حيث يحصرها بقوله: “الدولة المراقب في الأمم المتحدة ليست له الكلمة في الجمعية العامة أي هو فاقد للصوت.. كما هي حال الفاتيكان. كما أن الدولة غير العضو يمكن أن تشارك في الهيئات المنبثقة عن الأمم المتحدة لكن بصفة مراقب حسب. وشتان بين الفاتيكان وفلسطين. فالفاتيكان حاضرة دينية حسب. أما فلسطين فهي أرض مسلوبة بالكامل أقيم عليها كيان عدواني استيطاني عنصري، وعلى حساب حقوق أهل فلسطين في وطنهم، وفي أرضهم وفي حريتهم، وفي دولتهم المستقلة” (انتهى الإقتباس) إن هذا يعني باختصار: إن “دولة عباس” المنشودة لا تعني شيئا ملموسا للشعب والقضية، فلماذا كل هذا الهيلمان يا رفاق “عباس”، عليكم الهدوء والتوقف عن النفخ في “قربة مخرومة” فأنا أخشى أن تنفجروا من كثرة النفخ.
وأمام هذا الواقع لا بد من التأكيد على أن توجه “عباس” وحيدا إلى الأمم المتحدة بدون توافق وطني قد أضعفه تماما، فمثل هذه الخطوة التي يعتبرها كبيرة ينبغي أن يتم مشاورة الكل الفلسطيني بشأنها، فـ” عباس” ما هو إلا جزء من الشعب ولن يكون كله، وكفى لاستخدام مبدأ “ما أريكم إلا ما أرى”، فقد انتهى هذا الأسلوب بدون رجعة. إن تشاورا يجمع الكل الفلسطيني تجاه أي قضية إستراتيجية يقوي من الموقف على مختلف الصعد الدولية، أما توجه “عباس” وحيدا فهو أمر لا يعبر إلا عن ضعف واستكبار فقط في وجه خصومه السياسيين.
ثم إن “عباس” ما دام أيقن حسبما تحدث أن العدو الصهيوني يُدير الظهر له رغم تنسيقه وعمالته ورجاله السرية والعلنية، فينبغي عليه اللجوء للتلويح بالعصا، والعصا موجودة لديه لكنه يُصر على كسرها، فبدلا من اعتقال رجال المقاومة في الضفة فليسمح لهم بالتحرك ولو قليلا ضد المستوطنين أو على الأقل التراخي عما يقومون به وبواسطة وسطاء تصل رسالة للعدو الصهيوني بأن هذا الأمر لأجل إدارة ظهركم للسلطة. وبذلك يستخدم أسلوبا ماكرا المفترض أنه تعلمه خلال سنوات مفاوضاته من أصدقائه اليهود، وهو أسلوب يستخدمه باستمرار، لكن ليس ضدهم، إنما في مواجهة “حماس” للأسف.


