ينتشر صابون و مستحضرات تنظيف الجِلد الإمبرياليImperial Leather بكثرة، وبخاصة في الأسواق العربية؛ كونه من الماركات الانجليزية الجيدة التي يعود تاريخ تصنيعها الى القرن الثامن عشر عام 1768، وكعادة العرب في الاستيراد والاستهلاك دون تمييز لم تلفت نظرنا، ولم تزعجنا كلمة الإمبريالية المستخدمة في اسم المنتج التي وان غادرت بلادنا بالتحرر الظاهري من أوار الاستعمار، ما زالت تجثم في دولنا وقلوبنا وعقولنا في مجتمعاتنا وسياساتنا واقتصادنا، وما زال الغرب يسوقنا بعصاته كالدابة التي لا تتحرك الا بالجَلد!
لم تبال الشركة بتغيير اسم المنتج مع أن أكبر أسواقها في دول الخليج والهند والباكستان وإفريقية الجنوبية، وهي دول عانت وما زالت تعاني من آثار الإمبريالية التي خلدت في التاريخ كأسوأ الفترات في الحياة الإنسانية؛ حيث مُورست فيها أبشع الجرائم والتجاوزات، ولكن يبدو أن شعوب هذه الدول سريعة النسيان ولا تعرف الثرى من الثريا، ولا تبالي أكان ما تستخدمه من منتجات بماركة الحرية أم بختم الذل، فالعبد يقرع بالجَلد والحر تكفيه الإشارة ليفهم ويعمل، فبلاد لا تأكل من فأسها، ولا تلبس من نسجها، ولا تغتسل بصابونها لن يكون قرارها بيدها لتفرض شروط احترامها على الآخرين!
وهذه الماركة باسمها المستفز لا تنفصل عن صورة العرب في الغرب بأنهم قذرون ماديا ومعنويا، مع أن فتح ملف القذارة ليست في مصلحة الغرب فتاريخهم في القذارة الجسدية -على أقل الحدود- أسود من أول أساطير الملك آرثر الذي أمر مرلين الساحر أن يبحث له عن حل لرائحته الكريهة؛ كي لا تنفر منه زوجته غوينفير الى الحمامات الرومانية التي كانت تفيح برائحة العفن، وتفرق بين الغني والفقير في النظافة الى حماماتهم الآن التي ليس بها ماء جار (دش)، وإنما يملأ المرء حوض الاستحمام ويجلس في الماء بوسخه ثم يخرج منه دون أن يريق الماء على نفسه للاغتسال، هذا مع عدم وجود ماء للاستنجاء! فهم آخر من يمكن لهم الحديث عن النظافة، وقد أثبتت مؤسسة 1001 اختراعاً للحضارة الاسلامية، أن أول من أدخل حمامات الشامبو والمساج الى بريطانيا رجل هندي اسمه شيخ دين محمد من أصل مسلم، أحضر معه المستحضرات من الهند عام 1759، ولكننا نستحق أن تنتشر عنا فكرة القذارة، والطريق الى أطهر بقاع الأرض قاطبة تفتقر حماماتها الى أدنى مستويات النظافة!
نستهلك هذا النوع من الصابون وغيرها من المنتجات التي تطعن في ديننا وتاريخنا وحضارتنا وحاضرنا وماضينا، دون أن يرف لنا جفن، والصهاينة ما زالوا يعاقبون الألمان بمقاطعة بضائعهم على حدث ما انفك الألمان يكفرون عنه حتى الساعة، بينما في زمن العزة قال الإمام الشافعي عن الماء وهو أساسي للوجود: «لو كنت أعلم أن شرب الماء البارد يثلم مروءتي ما شربته الا حارا».
ما بين كسر الجيم في الجِلد وفتحها في الجَلد، هو ما بين أن نكسر قوتهم واحتكارهم بفتح عيوننا وإزالة الغشاوة عن عقولنا،
أما آن لظهورنا أن تستقيم وتزيل آثار سنوات الجَلد الاستعماري؟!
