بدأت تغريداتي صباح الأمس قبل مطلع النور بالتالي:
«البعض يأبى إلا أن يبدأ يومه بنوايا الشر!».
للتذكير بأهمية النية وأثرها في حياتنا وحركتنا الاجتماعية وبعدها بوقت غردت عن ضرر الوجبات السريعة على الشباب وما هي إلا لحظات حتى بادرني أحد الشباب بتغريدة يصبح بها عليّ بقوله «ما أتفه همك» وتبين لي أنه شاب صادق يتفجر حماساً لقضايا كبرى نعيشها هنا وتحيط بالأمة... قلت في نفسي سبحان الله! لن تؤثر تغريدتي الأولى فيه ألا نبدأ يومنا بنوايا الشر! وصحيح ان الشاب لم ينو الشر ولم يمارسه ولكنه بدأ يومه بما هو سيئ تجاه أحد المسلمين، فما كان لي إلا ان أرسلت له تساؤلاً يخرج من النظرة الاختزالية فغردت بـ «ما علاقة إدمان الوجبات السريعة بتفكك منظومة التواصل الأسرية والتطبيع الناعم للأجيال على قيم الغرب فالطعام ليس مجرد وقود»... وقبلها أرسلت له تغريدة تقول: «اسأل الله لي في سجودك ان يُعلي همي وهمتي ومع ذلك لا تحقرن من المعروف شيئا وكلي أمل أن تقرأ كتاب حضارة الوجبات السريعة»...
و«تويتر» لا يسعف في الحوار التفصيلي والشرح والخروج من السلوك البسيط (كالوجبات السريعة) إلى مضامينه الكامنة ومنظومته الثقافية النفسية والاستهلاكية وعلاقة ذلك بالهوية والآداب والتراحم والسنن النبوية مقارنة بالمنظومة الثقافية الغربية.
وقد خصصت لها حلقة في رمضان قبل ثلاث سنوات... ثم قمت بالتعليق على تغريدة الشاب التي قال لي فيها «ما أتفه همك» بعد إعادتها وكتبت تحتها «يا ولدي عبد الرحمن كان بإمكانك مع بداية يومك ان تلطف العبارة بـ (كبِّر همك... ورب عملٍ صغير تعظمه النية وفقك الله)».
وكان هدفي من ذلك رسالة عامة في كيفية تعاملنا مع من يسيء إلينا وإعطاء نموذج عملي لتلطيف الخلاف بدلا من القصف المتبادل، وهنا وقعت ثلاثة أخطاء، الأول إن بعض المندفعين هاجم الشاب، الخطأ الثاني ان الشاب وصف المتابعين لي بالإتباع الأعمى!! الخطأ الثالث أساء الظن بي ظناً أنني أثرت الناس ضده، أما الإيجابيات فهي التعليقات الراقية والدروس التي - لا أبالغ إذا قلت - استفدتها من المعلقين... ثم غردت بإشكالية أخلاقية فكرية عن ظاهرة في «تويتر» بدأت تتكرر في الأشهر الأخيرة فقلت: ما حكاية الذين إذا غردت عشر تغريدات عن هموم الأمة ودمائها ثم غردت بعدها عن الصحة أو النظافة أو السجائر هجم البعض عليك محتقرا منتقصاً! لأن منطقهم يقول: الأمة تُذبح وأنتم تتكلمون عن الإسراف في الأكل وشرب السجائر وتأخر الموظفين وحقوق الخدم... الخ، هذا منطق بدأ يسود؟
لابد من تحليل موزون... لأن كل واحد يحدد التفاهة حسب منظوره ويختلفون في توزيع درجات التافه فالأتفه!
من تلبيس إبليس على الناس تصغير عمل الآخرين وانتقاء أضعف ما عندهم وازدرائهم... أي أنهم يزكون أنفسهم واهتماماتهم من خلال تحقير غيرهم وهؤلاء يذكرونني بالأخوة الغيورين على المصطفى عليه الصلاة والسلام ولكنهم يحصرون نصرته ضد المسيئين إليه بطريقتهم ويهوّنون من جهود الآخرين ويخلطون بين علماء السلطة وأدواتها القمعية وبين أخوة لهم اختلفوا معهم في الاجتهاد!!


