مؤلم الى حد الجرح أن نرى بعض الاسلاميين يحسنون التصرف وينتقون من الألفاظ أحسنها، ومن التصرفات أجملها في التعامل مع نساء يساريات وليبراليات ونسويات وغير متدينات، بينما أخواتهن من الاسلاميات يشتكين من التهميش والإهمال من بعض كثير وليس من الكل!
وبالنظر الى الجزء الممتلئ من الكأس نقدر صنيعهم، ونظن بهم خيرا وبنواياهم في اتخاذ ذلك كله كوسيلة للدعوة والتحبيب في الإسلاميين، وإزالة الرهبة من نفوس الآخرين وتغيير الصور النمطية المعروفة بالخشونة والغلظة واللامنطقية، وكما أن الانفتاح على المجتمع يحتاج إلى توسيع القلب والعقل والدار، فمن أراد أن يكون جمّالا وحمالا وقائدا فعليه أن يفتح كل نوافذ وحواس الاستقبال لديه، ويكون كالأرض السهلة يطؤها البر والفاجر، فلقد قال ابن القيم: «فالقلب الواسع يسير بالخلق إلى الله ما أمكنه، فلا يهرب منهم، ولا يلحق بالقفار والجبال والخلوات، بل لو نزل به من نزل سار به إلى الله». وأيده ذلك الغزالي فقال: «الرجل العظيم حقاً كلما حلق في آفاق الكمال، اتسع صدره وامتد حلمه وعذر الناس من أنفسهم».
ولكن ذوي القربى أولى بالمعروف، وهل من قربى أقرب من رحم الإسلام؟! وهل من وشيجة بر أولى بالوصل من التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه: «استوصوا بالنساء خيرا»، و»النساء شقائق الرجال»، و»ما أكرمهن الا كريم وما أهانهن الا ليئم»؟!
ما الذي جعل عمر بن الخطاب الذي كان يخافه الرجال في جاهليتهم قوة وفي اسلامهم توقيرا واحتراما ينزل عن فرسه لخولة بنت ثعلبة إلا لأنه علم فضل امرأة سَارَّت الرسول بأمرها فسمع شكواها وانتصر لها الحكم العدل من فوق سبع سنوات؟ ما الذي جعله قبل إسلامه يرق لدماء أخته فاطمة، لولا أنه عرف أنها على الحق وأنها ما وقفت لكف الظلم وهو يلطم وجهها الا وهي تمتلئ قوة وإيمانا وتحديا جعلها صنو أخيها وفاروقة عمرية قبله لكن في جسد امرأة، ما الذي جعله يقر بخطئه أمام الملأ لامرأة أصابت في رأيها في المهور، بينما أخطأ أمير المؤمنين؟!
تطول الأمثلة لرجال كانوا يرون في المسلمات عاملات في الصف الأول، وفي مقدمة الدفاع عن الدين ورائدهم سيد المرسلين الذي أفسح لأم سلمة أن تكون الحاكمة بأمر الدين، ونزل على رأيها يوم الحديبية، كما أفسح لأم عمارة أن تكون أحد دروعه يوم أحد، وأفسح لأم حرام أن تكون صاحبة بشراه للأمة ومن الأولين الذين غزوا في البحر.
هو كذلك مؤلم الى حد الجرح واقعنا مقارنة مع تاريخنا الذي نقرأ نصوصه في كتابنا وسنتنا وسيرتنا، فترتفع معه هامات رؤوسنا وقلوبنا وهممنا الى أعلى عليين، وتتوق الى العمل والسير على درب الأمهات، ثم نرتطم بأرض الواقع لنجد رجالا بلحى وشيوخا بألقاب ومكانات لا يعرفون في مقام المرأة سوى أن يرددوا أحاديث منزوعة من سياقها وقداسة حكمها كناقصات عقل ودين، ولن يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة، ولو كنت آمرا المرأة أن تسجد لأحد لأمرتها ان تسجد لزوجها، وغيرها الكثير لينقلبوا على السيرة والتاريخ وينزلوا المرأة من علياء تميزها الأول الى أسفل التبعية والإقصاء، فهل يعقل أن ما يفعله رجال اليوم وشيوخهم هو ما أراده وعمل به الرسول مع نسائه وبناته ونساء المؤمنين؟! بكت يا رسول الله فاطمة لفقدك، وتيتمت كل نساء المسلمين بعدك، الا من حفظة قلة رعوا أمانتك! وآه كم هم قلة ما يزالون على الحق ظاهرين.
والخير لا ينقطع وان كان قليلا، والخيرون لا يفنون وان كانوا ندرة، والكيسة من لم تحمل الطرف الآخر المسؤولية، ولم تنتظر مبادرتهم، فالخير يُرى نتاجه ويُحصد ثمره، والحق يفرض نفسه بغض النظر عن جنس من ثبته وأرسى دعائمه، والباب مفتوح للمتنافسين أفرادا وجماعات لا بنون النسوة ولا بجمع المذكر السالم، وإنما سبق من سبقوا بقوة الحق لا بقوة العضلات ولا بنوع الهرمونات، والكيسة أيضا من جعلت من النتيجة هدفها، ومن بلوغ الأرب طلبها، وفي إدراك النجاح رغبتها مع الرضى بإبر النحل ولو أوجعت لسعتها، ومع التعالي على قوانين الناطور ولو اشتط في التشدد، ومع ريح الإيمان حيث هبت حتى تسير المراكب.
عرس التغيير والإصلاح في بيتنا أيها الإسلاميون، وما لم نجهز له جهازه وعدته لن يذوق الجيران حلاوة بهجته ولا ألق فرحته ولن يقلدونا في إقامته.
