الإثنين 10 اغسطس 2020 الساعة 04:51 ص

مقالات وآراء

الرئيس عباس لماذا يصر على إعلان الإفلاس..!!

حجم الخط

كانت الشمس تقترب من كبد السماء بينما كان الموظفون يتزاحمون في الطابور امام البنك لاستلام نصف الراتب، بينما كان أبو تامر يجلس مستندا إلى الحائط وتعلوه احدى اليافطات القديمة البالية من مخلفات حملة الرئيس الانتخابية، ولم يكن بالامكان قراءة الا بضع كلمات منها وهي الأمن والعدالة ورغد العيش.

هذه الكلمات تكررت في برنامج الرئيس الانتخابي، الا ان ابو تامر اخذ ينظر الى اليافطة البالية ثم ينظر الى الطابور الذي يقف فيه ليقبض نصف الراتب، فيما كانت تخترق الاجواء اصوات اطلاقات نارية لا تنتهي حيث علت وجهه ابو تامر تعابير الاشمئزاز والقرف، ولم يبددها سوى صوت المذيع الذي انطلق من عربة بائع البراد الذي كان يطمع في بيع بضاعته على الموظفين المشوبين في الطابور الطويل وهو يعلن على لسان الرئيس عباس وكبير المفاوضين صائب عريقات استعداده لنشر القوات لمنع اطلاق الصواريخ،  وما أن سمع أبو تامرالخبر حتى تلون وجهه وبدت عليه علامات الريبة والامتعاض، واخذ يضرب كفا بكف وهو يقول حتى  المقاومة تريدون اسكاتها..!!

ليس الغرض من سرد هذه الواقعة استجلاب مزيد من الاستعطاف على الحال المزري الذي وصل اليه الموظفين لأن الجميع بات يدرك ذلك.

ولكن ما أحببنا الإشارة اليه هو ان الرئيس عباس يصر على الاعلان مرة تلو الاخرى عن افلاسه السياسي فمنذ ان نجح عباس في ابرام اتفاقات اوسلو عبر فتحه لقناة تفاوضية خلفية التفت على المفاوضين في مدريد، لدرجة انه حمل لقب مهندس اتفاقات اوسلو، وهي نقطة تحسب عليه وليس له خصوصا وان هذه الاتفاقات هي السبب فيما وصلت اليه القضية الفلسطينية من تراجع وذوبان، وهي السبب في اقدام اسرائيل على اغتيال الرئيس عرفات الذي تم طوي ملف التحقيق في اغتياله، لم يجرؤ على اعلان فشلها!!.

والرئيس عباس الذي ما زال يقود التيار الذي يفضل الخيار التفاوضي كخيار استراتيجي لاسترجاع الحقوق والذي طالما طالب العالم بالزام اسرائيل بتطبيق اتفاقات اوسلو التي التفت عليها اسرائيل بالعديد من الاتفاقات التي هبطت بالسقف الفلسطيني الى ادنى مستوياته والتي كان آخرها خارطة الطريق التي تنكرت لها اسرائيل وما زالت، لا زال يعاني من تجاهل العالم وعلى رأسه امريكا لمطالبه، بل ويواصل العالم وعلى  رأسه امريكا وضع الشروط التعجيزية امام عباس دون وعده في المقابل باي شئ.

ففي اللقاءات المتواصلة التي جمعت عباس بكوندي رايس مازالت رايس تكرر مطالبها من عباس بنزع سلاح الفصائل، وبجر حكومة الوحدة للاعتراف باسرائيل مهددة اياه باستمرار المقاطعة والحصار التي تتعرض له الحكومة التي ترأسها حماس، وكل ذلك مقابل لا شئ ولا حتى مقابل وقف العدوان الصهيوني لان رايس تريد رضوخا فلسطينيا تحت النيران الصهيونية، وحتى عندما لوح عباس لرايس بالاستقالة قبل نحو عام فقد ابدت رايس عدم اهتمامها ببقائه او رحيله متذرعة بان الملف العراقي والايراني يستحوذان على اهتمام الادارة الامريكية الان.

لذلك من غير المرجح ان تلتف لا امريكا المرتبكة ولا حتى اسرائيل المهزومة للتسريبات الاعلامية التي نفاها المقربون من عباس والتي تحدثت عن نية عباس تقديم استقالته اذا استمر الحصار.

هذا ما نقصده بإفلاس الرئيس السياسي، فخياراته التفاوضية المستندة الى قرارات الشرعية الدولية او العربية لم تنجده ولم تحقق للقضية الفلسطينية أي تقدم في الوقت الذي لم تكن فيه حماس تمثل منافس سياسي لا لعباس ولا لعرفات من قبله، فالذرائع الامريكية والصهيونية جاهزة لجهة عدم الالتزام بالاتفاقات سواء كانت حماس او لم تكن، وسواء وافقت حماس على الاعتراف باسرائيل او لم توافق، فقد وافقت منظمة التحرير على كل المطالب والاشتراطات الصهيونية والامريكية لدرجة الغاء ميثاق المنظمة وخلع آخر القمصان التي تستر عورتنا فماذا كانت النتيجة، اغتيال الرئيس عرفات وعدم الاهتمام ببقاء او رحيل الرئيس عباس وتركه عاريا سياسيا امام شعبه وامام العالم.

في هذه الاثناء ما زالت الحكومة التي ترأسها حماس ترفع بيرق الخيارات الاخرى التي تدعمها جل القوى والفصائل والتي مازالت تمثل الرافعة وزورق الانقاذ الوحيد للقضية الفلسطينية من البحر الصهيوامريكي المظلم والغادر.

هذه الخيارات التي ليس اولها عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني ولا باي شرعية او قرارات عربية او دولية تعني بمعنى او آخر الاعتراف بالكيان الصهيوني، وليس آخرها التمسك بالمقاومة كخيار متلازم مع أي خيار سياسيي كي لا يكرر الفلسطينيون خطاهم التاريخي بالذهاب الى المفاوضات دون الاحتفاظ بأي من أوراق القوة التي تمثلت في الانتفاضة وفي المقاومة.

حماس وباقي الفصائل الاخرى يبدوا انها وعت الدرس جيدا ولن تترك غيرها مرة اخرى يبدد ثمار تضحياتها ونضالها، فهي ما زالت تتمسك بخياراتها واوراق قوتها في وجه العالم الذي لا يحترم الا الاقوياء، فالقوة هي التي تصنع الشرعية وليس العكس.

وبناء عليه من حقنا ان نوجه عدد من التساؤلات المشروعة للرئيس عباس  :

الم يتسبب اصرارك على المراهنة على امريكا او اسرائيل في مزيد من الانحطاط لوضع القضية الفلسطينية في كثير من المحافل التي كانت تناصر قضيتنا.؟

الم تستغلك امريكا واسرائيل كورقة ضغط على الحكومة والشعب الفلسطيني من خلال اصرارك على السلام والمفاوضات كخيار استراتيجي في الوقت الذي تواصل فيه آلة البطش الصهيونية العمياء نهش دمنا ولحمنا كل يوم.؟

الم تنجح اسرائيل في استعمال اتفاقات اوسلو كغطاء شرعي امام العالم لابتلاع ما تبقى من الضفة الغربية والقدس عبر تكثيف الاستيطان؟

الا يتسبب القبول الفلسطيني اللامشروط بكل المشاريع الامريكية التي تطرح لحل القضية الفلسطينية رغم ظلمها في اضاعة وقت ثمين استغلته اسرائيل لفرض وقائع جديدة على الارض جعلت معه من المستحيل اقامة دولة فلسطينية حقيقية.

الا يوحي القبول الفلسطيني المتسرع بالخطة الامنية الامريكية التي تهدف الى احدث شرخ داخلي وصدام فلسطيني فلسطيني بالافلاس السياسي الكبير الذي يعانيه الرئيس.؟

الا يشكل التعاطي الفلسطيني الايجابي مع كل الاطروحات الامريكية اشغالا مشبوها للرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي وحتى الدولي عما يخطط ويحاك من مؤامرات صهيونية لاستكمال تقويض المسجد الاقصى المبارك خصوصا في ظل المخطط الرهيب الذي اعلن عنه شيخ الاقصى رائد صلاح في مؤتمره الصحفي امس.؟

الم يستبب عدم التفاتك الجدي للخيارات الداخلية وعدم تعاونك الحقيقي مع الحكومة والفصائل باضعاف هذه الحكومة اولا امام شعبها  بعد افشالها في وقف الفلتان الامني المنظم والفوضى الخلاقة، وامام العالم ثانيا هذا العالم الذي يستمتع بمشاهدة الفلسطينية يذبحون بعضهم في الشوارع.؟

الم يكن حري بك استعمال اوراق القوة الفلسطينية في وجه امريكا واسرائيل بما يقنعهم بعدم وجود أي بدائل او خيارات اخرى سوى التعامل مع الشعب الفلسطيني الذي تمثله حكومة وحدة وطنية يقف من ورائها رئيس حريص على شعبه وعلى حكومته وقضيته.؟