الإثنين 10 اغسطس 2020 الساعة 06:04 ص

مقالات وآراء

مقالات أخرى للكاتب

الرد على مقال: 'يا حماس لماذا خرقت السفينة'

حجم الخط

الرد على مقال : 'يا حماس لماذا خرقت السفينة'

المنسوب إلى الأستاذ محمد أحمد الراشد
 

     أكتب هذا المقال إحقاقاً للحق، وحفاظاً على شباب الحركة الإسلامية في فلسطين من الزيغ، بعد أن أصبحوا القدوة والنموذج -لكل الإسلاميين في العالم- في القوة والعزم، والجهاد والثبات، والعلم والإيمان، وأكتبه حماية لهؤلاء المرابطين المجاهدين، من الهبوط إلى درك القاعدين المهزومين، الذين ما انفكوا يبحثون عن رخص ومبررات لفشلهم وقعودهم، إلى أن تصوروها في دينهم وشريعتهم، فدعوا إلى التنازل عن ثوابتهم الأصيلة، حسب ما تقتضيه الظروف، وبحثوا عن أدلة شرعية تسوِّغ لهم ذلك، فوجدوها في فهمهم القاصر للسياسة الشرعية، ثم في فهم مشوه لقصة موسى والخضر عليهما السلام.

وسوف أختصر ردي على هذا المقال بالنقاط المركزة الآتية:-

 أولاً: المقال منسوب زوراً إلى أستاذنا وشيخنا محمد أحمد الراشد، وقد نشر لأول مرة على موقع الرواق، بعنوان:'الحركة الإسلامية وخيار خرق السفينة'، وكاتب المقال حسب الموقع نفسه هو:'أبو خالد الجكني'، ومن الواضح أنه إسلامي عراقي، والموقع يدعي الوفاء لفكر الشيخ الراشد، وقد أخذ المقال شخص ما، وغير العنوان واسم المؤلف فنسبه للراشد، وجعل عنوانه:  ' يا حماس لماذا خرقت السفينة لقد جئت شيئاً إمراً'، وسواء كان من فعل ذلك محباً لحماس يريد الدفاع عنها، أو كارهاً لها يريد أن يدفعها إلى الانحراف، فإنه بلا شك كذاب أشر وشاهد زور، وكان ينبغي على الصحف والمواقع التي نشرت هذا المقال أن تتبين قبل نشره، وينبغي عليها وعلى كل من أسهم بنشره أن ينشروا الحقيقة بعد أن عرفوها حتى لا يقعوا في إثم شهادة الزور.

 ثانياً: المقال يشجع على ارتكاب المحرمات وخرق الثوابت، ويبرر ذلك بقصة موسى مع الخضر الذي خرق الثوابت والمحرمات، فقتل غلاماً بريئاً، وخرق سفينة،ع الخضر وسواء كان من فعل ذلك محباً لحماس يريد الدفاع عنها، أو فعرض أهلها للغرق، حيث أظهر الكاتب أن في هذه التصرفات المحرمة حكمة بالغة، لم يتمكن موسى الرسول أن يكتشفها أو يحققها عندما التزم بثوابته، وبناء على ذلك فهو يشجع على الخروج عن الثوابت وانتهاك المحرمات إذا وجد القادة في ذلك مصلحة، لأن الحكمة البالغة في رأيه قد تكون فيما حرم الله تعالى، وسيُحْرَمُ منها من يصر على عدم استحلال الحرام كموسى، وينالها من ينتهك المحرمات كالخضر. وهو يسمي استحلال الحرام 'خيار خرق السفينة'، إذ يقول:' لكن مقتضيات (فن إدارة الصراع) الذي نعالجه اليوم في هذا العالم المعقد العلاقات قد يضطرنا كقادة في بعض الظروف إلى إعمال خيار خرق السفينة'.

 لقد أغفل صاحب المقال شيئاً مهماً جداً وهو أن موسى النبي قد استنكر تصرفات الخضر واحتج عليها لأن مواقفه تستند على ثوابت واضحة بينة هي شريعة الله التي تحرم قتل البريء والإفساد في الأرض، ولأنه لا يبني مواقفه على علم الغيب الذي لا يعرفه، وأن الخضر لم يتصرف هذه التصرفات بذكائه وحكمته وإمكانياته البشرية، وإنما تصرف بوحي من الله تعالى، فهو نبي أطلعه الله تعالى على أمور غيبية، وأمره بتنفيذ أعمال هي محرمة على البشر الذين لا يعلمون الغيب، إذ قال تعالى على لسانه:' وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا'.

ونحن مطالبون كمسلمين لهم شريعتهم، وكبشر لا يعلمون الغيب، أن نقتدي في هذا الموقف بموسى عليه السلام الذي رفض واستنكر انتهاك المحرمات المخالفة لشريعته، وليس بالخضر الذي ما انتهك المحرمات إلا تنفيذاً لأوامر إلهية خصه الله بها لحكمة يعلمها سبحانه.

وقد تنبه علماؤنا الأوائل إلى احتمال أن يضل بعض المسلمين في فهم قصة موسى مع الخضر ويبنوا عليها جواز استحلال الحرام بحجة المصلحة والحكمة، فقال النووي في شرحه على صحيح مسلم ج12، ص192 ناهياً أن يُستحل القتل بحجة المصلحة:' ولا يحل لك أن تتعلق بقصة الخضر وقتله صبياً، فإن الخضر ما قتله إلا بأمر الله تعالى له على التعيين، كما قال في آخر القصة: وما فعلته عن أمري'، وقال ابن حزم في كتابه الإحكام ج5، ص126:'فإن الخضر نبي موحى إليه، ولم يفعل شيئاً من كل ما فعل باجتهاد، كما يظن من لا عقل له، وإنما فعل ذلك بوحي أوحاه الله إليه'، وبين النووي في شرحه على صحيح مسلم ج15، ص147 أن الحكمة الإلهية المرادة من هذه القصة هي:' وجوب التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول ولا يفهمه أكثر الناس، وقد لا يفهمونه كلهم..  كقتل الغلام وخرق السفينة فإن صورتهما صورة المنكر، وكان صحيحاً في نفس الأمر له حِكَمٌ بَيِّنَة، لكنها لا تظهر للخلق، فإذا أعلمهم الله تعالى بها علموها'.

 ثالثاً: المقال يشكك في صحة مناهج التربية الدعوية التي اعتمدتها الحركة الإسلامية باعتبارها تربي الأفراد على التمسك بالثوابت، ولا تجيز لأحد أن يخرج عليها، فيقول:' علينا إعادة النظر في مناهج التربية الدعوية في ضوء خيار خرق السفينة'.

  إن هذه المناهج أيها الشيخ هي التي اعتمدتها الحركة الإسلامية في فلسطين، فصنعت الرجال والأبطال والعلماء والقادة أمثال الشيخ أحمد ياسين والمقادمة والرنتيسي وصلاح شحادة وأبو شنب وعياش وعماد عقل، وهي التي أدت -بالرغم من الاحتلال- إلى بناء الجامعات والمعاهد والمدارس والأندية الرياضية والثقافية والجمعيات، ودفعت إلى إنشاء الفضائيات والإذاعات والصحف والمجلات، ومكنت الحركة من أن تجعل غالبية الشعب الفلسطيني تقتنع بأن الإسلام هو الحل، وتقدم على مواجهة الاحتلال بجيش من المجاهدين والاستشهاديين لم يعرف لهم التاريخ مثيلاً، حيث فعلوا في الصهاينة ما لم تفعله جيوش أصحاب المناهج الأخرى، وكانوا خير مدرسة للأمة، حيث سار على منهجهم المجاهدون في العراق وأفغانستان، فلقنوا المحتلين دروساً قاسية، وهذه المناهج هي التي جعلت الحركة تفوز بثقة الناس، فأوصلوا ممثليها إلى البرلمان والحكم، وصمدوا معها، وظل ولاؤهم لدينهم ومبادئهم بالرغم من حصار الأعداء الشديد وكل وسائل البطش والتنكيل، فهل تتخلى الحركة عن هذه المناهج الإسلامية الملتزمة وتتبع المناهج المائعة التي تدعو إليها وتطالب فيها بأن' نقبل في صفنا بالسياسي اللبق الجاف القلب الحريص على مصالحه، والمتزوج بسافرة، بل بالسافرة نفسها، وبصاحب الزهو...' ؟!!.

 رابعاً: لقد جربتم خيار خرق السفينة أيها الشيخ في العراق بعد احتلاله، فشاركتم في مجلس الحكم الانتقالي الذي شكله وترأسه حاكم العراق الأمريكي بريمر، وهاجمتم المجاهدين لإرضاء المحتلين وعملائهم، ووصفهم بعض قادتكم بأنهم مجرمون قدموا من وراء الحدود، وسميتم جهادهم إرهاباً، وشاركتم في حكومة تخصصت في إبادة أهل السنة ومعهم الفلسطينيين، وطالبتم الاحتلال بعدم الانسحاب مثلما فعل عملاؤه، فكيف كانت نتيجة هذا الخرق؟! لقد أبادت الحكومة التي تشاركون فيها مئات الألوف من السنة، وهجَّرت الملايين منهم، وقتلت آلاف العلماء، وهدمت عشرات المساجد، وانتهكت الأعراض، وفعل الأمريكان وعملاؤهم في نساء السنة وعلمائهم في سجن أبي غريب ما لا يتصوره عقل، وبقيتم في الحكومة، وتصرون على عداء من يحاربها، لقد لطختم تاريخكم المشرق، وسودتم سمعة حركتكم المشرِّفة، وانفض عنكم المخلصون من شبابكم، ولم تنالوا من هذه الخروقات للثوابت إلا الذل والخسارة والإهانة، لقد شاهدنا وتابعنا كيف اعتقل قائدكم الذي مثلكم في الحكومة العميلة، وكيف بطحه الجنود الأمريكان في الدبابة على وجهه وداسوه بأقدامهم، فهل يعقل بعد ذلك أن تستمروا في سياسة الخرق؟! وهل يصح أن تنصحوا الملتزمين الثابتين المنتصرين الأعزاء بخيار الخرق؟!

 لقد استعرضت آراء عدد من أبناء الحركة الإسلامية في غزة، فوجدت أن الواعين المخلصين الجادين الأصلاء قد رفضوا مقالتك، وازدادوا قناعة بأن السبيل الصحيح هو سبيل الثوابت المستمدة من القرآن والسنة، وليس سبل الخرق وتغيير المسار الذي دعوتهم إليه، لقد أدركت عندما نظرت في عيونهم المصرة على الثبات على دينهم أنهم فعلاً أبناء الطائفة المنصورة الباقية على الحق والمصرة عليه برغم كل المخالفين والخاذلين، وأيقنت أنهم المقصودون بقول النبي صلى الله عليه وسلم:' لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس'، وتأكدت أنهم الصفوة الذين باهى بهم رب العزة في الحديث القدسي:' يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي'.

خامساً: جاء المقال في وقت يشتد فيه الضغط على حماس لإجبارها على الاعتراف بإسرائيل، من خلال الاعتراف بالقرارات الدولية والمبادرة العربية، والمتوقع من العلماء والدعاة المخلصين أن يشدوا من أزر قادتها، وأن يقووا عزائمهم، وأن يشحذوا هممهم، لا أن يلووا لهم أعناق النصوص الشرعية، ويزينوا لهم استحلال الحرام، ويسمونه: 'خيار خرق السفينة'، لأن حماس تمثل خط الممانعة الأخير الصامد في وجه الاحتلال، واعترافها بإسرائيل يعني انبطاحاً كاملاً للأمة أمام أعدائها، وقد أدرك ذلك الأستاذ محمد حسنين هيكل فقال في لقاء معه على الجزيرة: 'على حماس أن تصمد في مواجهة الضغوطات التي ستمارس عليها للاعتراف بإسرائيل ووقف المقاومة، حتى لو اضطرت للتضحية بالحكومة والانسحاب منها'، فهل يعقل أن يفتي علماني لحماس بالصمود، ويشجعها داعية إسلامي على خرق ثوابتها؟! وما نعلمه يقيناً ونؤكده أن حماس لم تعترف ولن تعترف يإسرائيل، ولم تتنازل ولن تتنازل عن شيء من دينها وثوابتها، وقد دفعت قادتها وخيرة رجالها ثمناً لتمسكها بهذه الثوابت.

 سادساً: أنت تدعونا في مقالتك إلى خرق ثوابتنا التي لم نأخذها إلا من القرآن والسنة، وتقول أن الخير يمكن أن يكون في ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد لنا العكس إذ يقول:' تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه'، وقد عزمنا نحن أبناء الطائفة المنصورة المرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس أن نستجيب لله ولرسوله ونتمسك بالقرآن والسنة، ونشد عليهما بالنواجذ، وإن خذلنا الجميع، ووقف في وجهنا العالم كله.