الجمعة 14 فبراير 2020 الساعة 07:12 ص

مقالات وآراء

مجرم من لا يصدع بكلمة الحق

حجم الخط

يزدحم واقعنا الفلسطيني بتغيرات متسارعة  وتطورات متلاحقة ، ومع كل حدث يستجد يتسابق  المتسابقون لتسجيل  المواقف إزاء هذه الأحداث .
ونحن نسلِّم بحق الجميع في التعبير الحر عن آرائهم حتى لو كانت هذه الآراء تغضب بعض الأطراف ولا توافق هواها ،لكن استعراضاً لهذه المواقف خاصة عندما يتعلق الأمر بالوضع الداخلي الفلسطيني وأحداث العنف التي يشهدها ،يظهر أن كثيراً من هذه المواقف ليس نابعاً من تحليل موضوعي للوقائع قاد أصحابه إلى تبني هذه المواقف وأنها تتسم بتمييع الأحداث وتحميل جميع الأطراف لنفس القدر من المسئولية دون تثبت أو تبين .

ولعل دافعهم لهذا السلوك فيما يبدو هو محاولة إظهار أنفسهم بمظهر الوسيط المتوازن والغير متعصب والحريص على مصلحة الوطن ،والإيحاء بأنهم هم وجهاء البلد الذين يسعون للأخذ على أيدي السفهاء ولا يترددون في إسداء النصائح للصغار من قومهم بضرورة ضبط النفس والتأسي بهم في الاشتغال بالقضايا الكبرى والابتعاد عن سفاسف الأمور .

ويعم هذا الداء ليشمل إلى جوار الأحزاب السياسية هيئاتٍ ونقاباتٍ و جماعاتٍ إسلامية ، وخطباء ووعاظ ، وكُتَّاب ، ومن يسمون أنفسهم محللين سياسيين ،وحتى أفراداً عاديين .
في الأحداث الأخيرة ظهر هذا الصنف من الناس بشكل بارز وهو يرتدي لباس الحرص على مصلحة الشعب والرغبة في إصلاح ذات البين (وهذا ليس موضع انتقاد لهم) لكنَّ انتقادنا لهم بأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء التحقق والبحث في ملابسات الأحداث ،وإنما سارعوا إلى إصدار الأحكام العجلى ولجؤوا إلى التعميم  وتخطئة الجميع ،وربما صادف هذا النهج أهواءً في نفوسهم للانتقاص من قدر الآخرين وبالتالي تزكية أنفسهم  وإظهارها بمظهر الناصح الأمين.

وإذا تناولنا مجزرة مسجد الهداية كمثالٍ ،وهي المجزرة التي نفذتها حفنة مجرمة بحق عمار المسجد وهم يتدارسون القرآن فإننا نُجرِّم كل حركة أو جماعة أو خطيب أو صحفي أو كاتب لم  يُعطِ هذه الجريمة حقها من الرفض والإدانة والاستنكار بأعلى صوته ،واكتفى بتناولها في سياق الحديث عن أعمال العنف المتبادلة ، أو ساوى  قتل مصلٍ بريء بقتل أحد المعتدين المسلحين .

إن الدماء البريئة التي سفكت في محراب الهداية ستظل تلعن كلَّ من لم يلعن القتلة المجرمين لأن صمته مشاركة  في هذه الجريمة .
كذلك ليس من النزاهة أن تنتزع بعض الأحداث من سياقها العام وتقدم بشكل مجتزأ ، فتصل الصورة إلى المواطن بأن هناك فئتين تقتتلان دون أن نوضح له نقطة البداية في هذا الاقتتال ليعرف من هو الذي يشعل النار ويحول دون إطفائها كما حدث عندما قام التيار المتصهين بتفجير جيب للقوة التنفيذية في شمال غزة وهو السبب المباشر في كل الأحداث الأخيرة.

إننا لا ندعو هؤلاء إلى الانحياز لجماعة على حساب أخرى .لكن دعوتنا لهم بأن يكونوا صادقين مع ضمائرهم وألا يجعلوا من الأحداث المؤسفة فرصة لكسب النقاط  وزيادة الرصيد الشعبي لهم.

إنه ليس من الحق أن توضع الأمور جميعها في سلة واحدة  وأن تُخلط الأوراق دون تمييز بين ظالم ومظلوم أو بين معتدٍ ومعتدىً عليه، وإن المنهج الصحيح في التعامل مع الأحداث لا يكون في الاكتفاء بتكرار الشعارات الفضفاضة والمبادئ العامة دون تحديد لمصيب أو مخطئ .

إن لكل حدث من الأحداث التي تجري أسبابه وملابساته .ومن يكلف نفسه قليلاً من الجهد والبحث سيكون بإمكانه إصدار أحكام عادلة تميز المبطل من المحق .
إن المرحلة التي يمر بها شعبنا الفلسطيني لا تحتمل اعتماد أساليب التورية وإمساك العصا من المنتصف لأننا أمام مواقف مفصلية تحتم على الجميع أن يصدع بكلمة الحق واضحة جلية لا تقبل المواربة ولا تؤول على أكثر من وجه وألا يُخضع الحقيقة لحسابات الربح والخسارة ،وليكن معلوماً لدى هؤلاء جميعاً أفراداً كانوا أو جماعات أن صمتهم لن يعفيهم من المسئولية أمام الله تعالى الذي نهى عن كتمان الحق وأمر بتبيانه 'لتبيننه للناس ولا تكتمونه ' و إن السكوت عن قول الحق هو مشاركة للظالمين في ظلمهم ،وإن تمييع المواقف هو مخالفة لهدي القرآن الذي أمرنا بالشهادة بالقسط 'يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ' .

ولا يظنن ظانٌّ أن وقوفه على الحياد وتمييع موقفه ليجاري أهواء الناس سيجلب له رضاهم وسيزيد من التفافهم حوله ، لأن قبول الناس له مرهون بمدى صدقه مع نفسه ومع الآخرين ،وما لم تكن مواقفه نابعة من مبادئ الحق والعدل فإن الله لن يضع له القبول في الأرض لأن الله لا يصلح عمل المفسدين.