الجمعة 29 مايو 2020 الساعة 01:10 ص

مقالات وآراء

أسس الاقتتال في غزة ‏...

حجم الخط

كلما ظن المراقبون أن الاقتتال في غزة قد ولّى إلى غير رجعة تفاجئهم

الأحداث، ويتبينون بأن حساباتهم كانت غير دقيقة. تهدأ غزة حيناً وترتاح قليلاً،

ثم تندلع الاشتباكات بين فصيلي فتح وحماس. يخرج علينا قادة الفصيلين في وسائل

الإعلام بتصريحات حول اتفاق بسحب المسلحين من الشوارع، وما ينهون مؤتمرهم أو

تصريحاتهم حتى ينطلق الرصاص من جديد.

 

     أين العلة؟ هل الشعب الفلسطيني على هذا القدر من الاستهتار بقدسية قضيته

وبدماء أبنائه؟

 

     هناك أسباب واضحة وجلية تؤدي إلى هذا الاقتتال، ولو لم يكن بين فتح

وحماس، لكان بين فتح وفصائل أخرى. يمكن إجمال الأسباب بالتالي:

 

     أولاً: اتفاقية أوسلو واتفاقية طابا تشكلان شرحا لأوسلو وتؤسسان لاقتتال

فلسطيني. الاقتتال الفلسطيني مبني في الاتفاقيات مع “إسرائيل”، لأنه يضع

الفلسطيني ضد الفلسطيني، بل من شروط نجاح هذه الاتفاقيات هو مواجهة الفلسطيني

للفلسطيني. تقول اتفاقية أوسلو إن تنسيقاً أمنياً بهدف محاربة الإرهاب سيتم بين

“إسرائيل” والسلطة الفلسطينية، أما اتفاقية طابا فتلزم الجانب الفلسطيني

بملاحقة الإرهاب والإرهابيين، وتلزمه أيضا بعدم مساءلة العملاء والمتعاونين مع

“إسرائيل”. بناء على ذلك، قامت السلطة الفلسطينية في تسعينات القرن الماضي

باعتقال متهمين بالانتماء لفصائل مقاومة فلسطينية، وكنت أنا كاتب هذا المقال من

الذين تعرضوا للاعتقال المتكرر.

 

     هذا وحده يكفي لصناعة التوتر الشديد بين الفلسطينيين، وخلق حالة من

الثأر. (لو) لم تتصرف حماس والجهاد الإسلامي بحكمة في حينه، وفضلتا الصبر على

ممارسات السلطة، لاندلعت مواجهات دموية منذ فترة طويلة. لا يمكن لاتفاقية أوسلو

وما بني عليها من اتفاقيات أن تجد طريقاً نحو التطبيق إلا إذا قامت السلطة

الفلسطينية بهذا الجانب الأمني.

 

     ثانياً: الأجهزة الأمنية الفلسطينية منبثقة عن الاتفاقيات مع “إسرائيل”،

وهي مسؤولة عن ملاحقة الإرهاب والإرهابيين. وقد سبق للأجهزة الأمنية أن أعلنت

عن إحباط عمليات استشهادية، وتفكيك معامل لصناعة المتفجرات. ولهذا كانت القيادة

الفلسطينية حريصة على تنصيب أشخاص لديهم إرادة تطبيق الاتفاقيات على رأس هذه

الأجهزة. لم يكن من المتوقع أن تعين القيادة الفلسطينية في قيادة الأجهزة

الأمنية أناساً يلتزمون بالمقاومة، ولم يكن ل”إسرائيل” أن توافق إلا على تعيين

من تراهم مناسبين للحرص على أمنها.

 

     ثالثاً: بنية الفصائل الفلسطينية تؤسس للاقتتال. الفصائل الفلسطينية ليست

فصائل مقاومة بالتحديد، وهي أقرب إلى القبائل من التنظيم السياسي. تتميز هذه

الفصائل بعقلية منغلقة، وبشعور بالتفوق على الآخرين، وبظن أنها تملك الحقيقة

المطلقة. يتم تشريب أفراد كل فصيل ثقافياً بعقلية عنصرية، تمجد الذات وتحط من

قيمة الفصائل الأخرى، وتربي في داخلهم الحقد والبغضاء ضد الآخرين. تربية

الفصائل تقوم على التشنج ضد الآخرين وعدم قبولهم، والتعامل معهم بحذر شديد. مثل

هذه التربية لا يمكن أن تؤدي إلى سلم أهلي، أو إلى تعاون بين الفصائل، ومن

شأنها أن تلحق الوطن بالفصيل، فتصبح القيم الوطنية هي ذاتها القيم الفصائلية.

كل فصيل يعرف المصلحة الوطنية بالطريقة التي يراها متناسبة تماما مع رؤيته

ومصالحه الخاصة. وقد لاحظت بأن الفصائليين يبنون في داخلهم كراهية متبادلة، قد

تكون أحيانا أشد من كراهيتهم للاحتلال الصهيوني.

 

     رابعاً: فتحت السلطة الفلسطينية منذ عام 1994 الباب تماما، أمام

المخابرات الصهيونية لترسل الأسلحة والذخائر إلى سوق الضفة الغربية وغزة، إلى

أن وصل الحد إلى بيع الأسلحة على بسطات الباعة في الأماكن العامة. وقد سارع

الجهال والأشقياء (الزعران) في الساحة الفلسطينية إلى شراء هذه الأسلحة، وكان

من الواضح أن الشعب الفلسطيني مقبل على مأساة حقيقية، تتعلق بالسلم الأهلي. وقد

حصل مرارا أن أطلق هؤلاء الزعران النار على الناس وقتلوا وجرحوا، ولم يتعرضوا

لعقاب من قبل السلطة الفلسطينية، ومنهم من حصل على ترقية أو حظوة.

 

     خامساً: لا يمكن للسلطة الفلسطينية المؤيدة لاتفاق أوسلو، أن تتعاون

أمنيا مع أي وزير داخلية فلسطيني، يريد إقامة سلم أمني بمعزل عن اتفاق أوسلو.

إذا كان سيفعل فإن عليه أولاً إقالة قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وفتح

المجال أمام قادة جدد يؤمنون بضرورة تصحيح الأوضاع الأمنية الفلسطينية.

 

     سادساً: “إسرائيل” وأمريكا تحرضان على الاقتتال الفلسطيني، ونحن نعلم أن

أمريكا تمد أطرافا فلسطينية بالمال والسلاح، ولم تخف “إسرائيل” الأمر.

 

     حتى يكون بالإمكان وقف الاقتتال الفلسطيني، فإنه لا مفر من القضاء على

الأسباب. العلاج التلفزيوني أو البروتوكولي لا قيمة له، وتجربتنا مع اتفاق مكة

الذي عالج مسألة إطلاق النار، وترك أرضية اللهيب من دون بحث واضحة وباءت

بالفشل. المعنى أن المشوار طويل، ولا تشير الأوضاع إلى أن قادة الفصائل يملكون

الاتزان المطلوب، لتحقيق الهدوء والتعاون.