الجمعة 29 مايو 2020 الساعة 07:30 م

مقالات وآراء

هل من قرار بإسقاط حكومة حماس بالقوة؟

حجم الخط

هل هي مصادفة ان يزور تشيني المنطقة، وما أن يغادرها حتى ينفجر الوضع في غزة وتتداول الحكومة الإسرائيلية في خيارات القضاء على حماس الى الأبد؟. ليست عندي إجابة عن السؤال، لكنني لا أستطيع أن أقتنع بأن هذا التزامن مجرد مصادفة بريئة، لأنه حين يأتي أخطر رجل في الإدارة الأمريكية لكي يزور عدة عواصم في منطقتنا ثم يحدث بعد ذلك ما حدث على الأرض ـ وفي الجو أيضاً ـ فلا نستطيع أن نقول انه جاء «للتشاور» أو لأجل مد حبال الود مع «الاصدقاء». صحيح أن التقارير الصحفية تحدثت عن أن «مشاوراته» تناولت الوضع في العراق، لكن التعليقات أشارت الى أن زيارته استهدفت سيناريو التعامل مع الملف الإيراني، الذي تعد الضربة العسكرية الامريكية من بين خياراته، لكن أصلاً لم يتحدث عن الموضوع الفلسطيني، في حين أنه الموضوع الوحيد الذي تحركت وقائعه ومشاهده فور عودة نائب الرئيس الامريكي الى واشنطن. ولئن قال قائل إن هذا كلام لا يستند الى دليل، وأنه من بنات أفكار سيناريو المؤامرة، فردي عليه في نقطتين؛ الأولى ان الدليل غير موجود حقاً، ولكن القرائن التي تؤيد ما قلت كثيرة. والثانية أننا حين نكون إزاء رجل المؤامرات في الإدارة الأمريكية، فمن «العبط» أن نفترض فيه البراءة ونقول إنه في هذه الزيارة تاب وأثاب، وتخلى عن الدور الأساسي الذي يقوم به.

إن المتآمرين الكبار حين يتحركون يؤدون عملهم تحت عناوين عدة، فيتحدثون مثلاً عن التعاون المشترك والتحالف الاستراتيجي. وبطبيعة عملهم فإنهم لا يعلنون على الملأ حقيقة ما يقومون به، لكننا حين نقرأ مهماتهم أو نحللها لا ينبغي أن نتجاهل وظيفتهم الأساسية، ولا ينبغي تحت أي ظرف أن ننسى أنهم في كل تحركاتهم يتآمرون.

ليس سراً ان الخروج من مستنقع العراق هو الهاجس الأساسي للإدارة الأمريكية الآن، وأن إجهاض المشروع النووي الإيراني هو الهدف الموازي الذي تلح إسرائيل وأصدقاؤها الكثر في واشنطن على إتمامه، خصوصاً بعمل عسكري يخرج إيران من معادلة القوة في الشرق الأوسط. وهناك رأي قوي في واشنطن، يذهب الى أن تسكين الوضع الفلسطيني ومن ثمة تهدئة العالم العربي وربما استمالته هو مقدمة ضرورية لإنجاح التعامل مع إيران ولتخفيف الضغط على الأمريكيين في العراق. لذلك لا أستبعد أن يكون تشيني وهو يتحدث عن الملفين العراقي والإيراني أثناء زيارته، قال: «خلصونا من حماس حتى نستريح من الصداع الذي أحدثته منذ جاءت الى السلطة في غزة».

لا أستطيع أن أدعي أنني سمعت هذا الكلام من أحد من الذين التقاهم، لكنني أجد في شواهد الواقع ما يؤيد وصول هذه الرسالة الى كل من يعنيه الأمر. من ذلك مثلاً أن الفريق المسيطر على الأجهزة الامنية في غزة، الذي يحظي أعضاؤه برضى أمريكي واسرائيلي مشهور هو الذي تكفل طول الوقت بمناكفة حكومة حماس والتفنن في إفشالها، ومن ثم إسقاطها، من خلال وسائل عدة، كان بينها تحريك الفلتان الأمني وشل حركة وزير الداخلية بتجريده من سلطاته. ولذلك، فإن الملف الأمني ظل عالقاً وشائكاً منذ تولت الحكومة الجديدة سلطاتها في شهر مارس (آذار) من العام الماضي، وهو ما عاني منه كثيراً وزير الداخلية السابق سعيد صيام (الذي اضطر الى تشكيل القوة التنفيذية في محاولة منه للخروج من مأزق الحصار المضروب حوله». وهي ذاتها المعاناة التي واجهت خلفه هاني القواسمي الذي اضطر لتقديم استقالته لعجزه عن مباشرة عمله. وبسبب هذه الاستقالة، فإن رئيس الوزراء إسماعيل هنية بحث الموضوع مطولاً مع رئيس السلطة الذي عبر عن حرصه على إنجاح مهمة وزير الداخلية، ووافق على تشكيل قوة مشتركة لتنفيذ الخطة الأمنية التي تجمع بين عناصر القوة التنفيذية وحرس الرئاسة، وتكون تحت إمرة وزير الداخلية. وحين خرج هنية من اجتماعه مع أبومازن ليبلغ وزير الداخلية بالأمر ويقنعه بالعدول عن استقالته، فوجئ بانتشار الشرطة وقوات الأمن الوطني في شوارع غزة، وتبين أن ذلك تم بتعليمات من مدير الأمن الداخلي الذي اتخذ هذه الخطوة بدون الرجوع الى رئيس السلطة ولا الى رئيس الوزراء ودون علم وزير الداخلية بطبيعة الحال. وكان ذلك الانتشار بداية الاشتباك المسلح الذي أشعل الحريق في القطاع. مع ذلك، فقد واصل رئيس الوزراء مساعيه لتشكيل القوة المشتركة بين حرس الرئاسة والقوة التنفيذية التي جري الاتفاق عليها مع أبومازن. واتفق مع رئيس السلطة على عقد اجتماع لهذا الغرض يحضره قائد حرس الرئاسة العميد منار شحادة. وفي الموعد المحدد لم يحضر العميد منار الاجتماع، وثبت أن مدير الأمن الداخلي منعه من الحضور، وأن الأخير عقد اجتماعاً مع بعض ضباطه انتقد فيه فكرة تشكيل القوة المشتركة. كما انتقد الرئيس أبو مازن لموافقته على إجراء بعض التعديلات بين عدد محدود من قيادات الشرطة. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد وإنما تطور الى ما هو أبعد، حيث جرى تصعيد المواجهة بين عناصر الأمن التي يحركها أبو شباك وبين عناصر القوة التنفيذية وأعضاء حركة حماس، على النحو الذي تابعه الجميع طيلة الاسبوع المنصرم. فانتشرت الحواجز في الشوارع، واعتلى المسلحون البنايات والأبراج.

وتعددت عمليات الاختطاف والإعدامات، وعرفت غزة لأول مرة ظاهرة التوقيف والقتل على «اللحية» حيث اعتبر كل ملتح عضواً في حماس الى أن يثبت العكس.

هذه المحاولة لإفشال الخطة الأمنية وقطع الطريق على تفاهم أبو مازن واسماعيل هنية حولها. وهذا الاستقواء ليس ضد الحكومة فحسب، وإنما أيضاً على رئيس السلطة ذاته، بانتقاده بين الضباط والتمرد عليه، ذلك كله أثار الانتباه بقدر ما أثار التساؤل حول القوة التي يستند اليها أبو شباك، وهو أحد أضلاع المثلث الأمني الذي يرأسه محمد دحلان رجل الأمن الوقائي الذي غاب عن القطاع في هذا الظرف حتى لا يظهر في الصورة. أما ضلعه الثالث، فهو سمير مشهراوي مسؤول الاستخبارات.

ولا أستطيع أن اعتبرها مجرد مصادفة ايضاً، أن تتولى الأجهزة الأمنية تصعيد الصدام وإشعال الحريق على الأرض، وفي نفس الوقت تقوم الطائرات الإسرائيلية، اف 16 وآباتشي بغارات في الجو استهدفت مواقع القوة التنفيذية التابعة للداخلية ومقر جهاز الأمن والحماية الذي تم إنشاؤه لتأمين المؤسسات والشخصيات العامة.

الرسالة كانت واضحة في هذا التزامن من حيث أنها تعد إحدى الاستجابات للهدف الذي سبقت الإشارة اليه والمتمثل في الدعوة للتخلص من حماس، وعدم إتاحة أي فرصة لإنجاح حكومة الوحدة الوطنية، ومن ثم تفريغ اتفاق مكة من محتواه.

ثمة استجابة اخرى موازية طرحت في إسرائيل في ذات الوقت، فقد نشرت صحيفة معاريف في عدد الجمعة 19/5 أن ثمة بدائل خمسة لإسقاط حكومة حماس بدعوى مواجهة صواريخ «القسام» معروضة على مجلس الوزراء في اجتماع الأحد (20/5). البديل الأول هو القيام بعملية برية واسعة النطاق، مماثلة للتي شنها الجيش الإسرائيلي على الضفة الغربية عام 2002 (عملية الدرع الواقي) وأدت الى انخفاض كبير في عمليات المقاومة ولكن هناك رأياً يرى أن العملية ستمكن المخابرات الإسرائيلية في هذه الحالة من الحصول على معلومات تساعدها في القضاء على حركة حماس، فضلاً عن أنها ستساعد قيادات فتح على حسم مواجهتهم مع حماس، وفي المقابل هناك رأي آخر يتبناه يوفال ديسكين رئيس جهاز المخابرات الداخلية (الشاباك) يعارض العملية، ويعتبر أنها لن تغير موازين القوة بين فتح وحماس، وقد تؤدي الى انهيار الخدمات بالقطاع مما يترتب عليه تحميل إسرائيل المسؤولية عن مئات الآلاف من الفلسطينيين، وهو ما يضر بمصلحتها.

الخيار الثاني الذي اشارت اليه معاريف يقضي باحتلال مناطق محددة في القطاع لإحراج الحكومة ومنع المقاومة من حفر الأنفاق ونصب منصات الصواريخ، ومع الاحتلال يجري تنشيط عمليات اغتيال قادة حماس الى جانب السيطرة على الشريط الحدودي بين قطاع غزة ومصر، وهو اقتراح يلقى تعارضا داخل الحكومة.

الخيار الثالث يتمثل في الاكتفاء بتصفية جميع الضالعين في اطلاق الصواريخ على إسرائيل وهو ما تقوم به وحداتها حالياً. لكن البعض يرى عدم جدوى هذه العملية لان إسرائيل جربت هذا السلوك ولم يوقف الصواريخ وظلت الحكومة باقية.

الخيار الرابع يتجه الى تصفية القيادة السياسية لحركة حماس، حيث يرى بعض أركان المؤسسة الامنية أن هذه العملية أثبتت فعاليتها، ويدعون الى أن تصفية قيادة الحركة التي بلغت ذروتها بتصفية مؤسسها الشيخ أحمد ياسين، هي التي دفعت القيادات التالية الى الموافقة على وقف اطلاق النار. لكن معارضي الاقتراح يقولون إن تصفية القيادة لم تؤثر على فاعلية الحركة في مواصلة العمل ضد إسرائيل، فضلاً عن أن تصفية القيادة السياسية متمثلة في الوزراء ستواجه معارضة دولية كبيرة.

الخيار الخامس أن تستخدم إسرائيل وسائل علمية متقدمة لإجهاض عملية إطلاق الصواريخ على أن تتعامل مع الحكومة الفلسطينية بوسائل أخرى. وهو يدعو الى استثمار المزيد من الموازنات لتطوير الصناعات الجوية الإسرائيلية المعروفة باسم «رفائيل» بحيث يمكن إنتاج صاروخ اعتراض مضاد يتمكن من مهاجمة صواريخ القسام وتدميرها، وهي في الجو. وهو المشروع الذي يطلق عليه «القبة الفولاذية»، وقد بدأ العمل فيه منذ ستة اشهر.

وتذهب معاريف الى أن هناك بدائل تكنولوجية أخرى لاعتراض صواريخ القسام وتدميرها مثل صاروخ «نيوتيلوس» الذي يستخدم أشعة الليزر. والذي تكلف ملايين الدولارات، وجرى تنفيذه بتعاون إسرائيلي ـ أمريكي. غير أن آخرين اعترضوا على هذا البديل أولاً لأنه لن يوقف صواريخ القسام زهيدة التكلفة، فضلا عن أنه يتطلب اعتمادات مالية كبيرة ترهق الموازنة.

مرة أخرى، هل كل هذه الأحداث التي تزامنت مع زيارة ديك تشيني للمنطقة خلال الفترة من 9 الى 14 مايو (أيار) الحالي هي مجرد مصادفة؟