الأحد 24 مايو 2020 الساعة 09:03 ص

مقالات وآراء

صراع على المستقبل

حجم الخط

هدأ صوت الرصاص ونزل القناصة عن الأبراج, رفعت الحواجز, وتم تبادل المخطوفين, وبعض الخطوات الأخرى المبشرة, لكن الجميع يعلم أن هذا ما هو إلا تأجيل لجولة أخرى أو ذهاب لأشكال أخرى للصراع.

 

 المناكفة والصراع هي الجو السائد على طاولة اجتماعات مجلس الوزراء, و في سائل الإعلام, في أروقة المؤسسات الحكومية, في كل قرار حتى لو كان تعيين كاتب في مؤسسة هامشية, في كل سطر في بيان الحكومة الأسبوعي, على موقع كل شرطي سيساهم في تطبيق الخطة الأمنية المزعومة, و الأهم في ' الحوار' لإعادة بناء منظمة التحرير, والتناقضات بخصوص مستقبل السلطة إذا لم يتم رفع الحصار.

 

خلال الفترة اللاحقة لاتفاق مكة, كررت حماس الإشارة بوضوح لرغبتها في العمل على حل السلطة كأبرز الخيارات البديلة في حال لم يتم رفع الحصار, هذا التوجه غير مستغرب من حماس التي اعتبرت أنها قدمت الكثير في اتفاق مكة وتعتبر أن برنامج الحكومة التي تقودها قد تعاطى مع متطلبات المجتمع الدولي إلى أقصى حد ممكن بالنسبة لها, وان استمرار الحصار رغم هذه التنازلات من جانبها لا يمكن أن يقابل إلا ببحث خيارات بديلة.

 

 من جانبها تتعامل حركة فتح مع هذه الأفكار كنوع من الجنون السياسي وكخطر محدق بالحركة ومشروعها,  فمجرد طرح فكرة حل السلطة, او تعديل في أشكال مؤسساتها,  أو أي قرار قد يتناقض مع رغبات المجتمع الدولي, الذي وان كان يفرض الحصار على هذه السلطة، إلا إن آخر ما يرغب به هو زوال هذا الجسم,  والذي تعتبر المساهمة الأبرز في إنشائه أمريكية أوروبية.

 

كل هذه الأفكار بالنسبة لقادة فتح على كافة المستويات هي مجرد رغبة حمساوية للتخلص من المأزق الحالي, وكذلك بالنسبة لقادة الأجهزة الأمنية والمسيطرين والذين يشكلون دائرة من أصحاب المصالح والنفوذ والمستفيدين من وضع السلطة السابق هؤلاء الأشخاص الذين تصرفوا في هذه المؤسسات كإقطاعيات خاصة طوال الوقت سواء في عهد الراحل ياسر عرفات او الحكومات السابقة التي قادتها فتح, إننا نتحدث عن أشخاص يرون في مجرد وجود حماس او مشاركتها في السلطة كابوس سيئ يعيشونه ويجب التخلص منه سريعا, لنا أن نتخيل طبعا ما يعينه بالنسبة لهم طرح خيار كخيار حل السلطة كأنه أمر قابل للبحث والنقاش او الحديث عن إعادة صياغة المؤسسة الأمنية, وهنا الحديث ليس عن قادة الأجهزة فحسب بل عن أشخاص آخرين يسيطرون على بعض الأجهزة ولهم ثقل على مجمل الجسم الأمني, وان كان ذلك بصفة غير رسمية.

لذلك فان حديث البعض عن غرابة اندلاع الموجة الأخيرة من الاقتتال هو نوع من خداع الذات, خصوصا إذا كنا جميعا نرى التجييش المتبادل من كلا الطرفين الذي تزايد بعد توقيع اتفاق مكة, سواء عزا البعض السبب المباشر لهذا التفجر لحادثة معينة او الى الخلاف حول تنفيذ الخطة الأمنية أو إلى النية في عزل بعض قادة هذه الأجهزة, فمن الواضح أن المسيطرين على هذه الأجهزة لن يقبلوا يوجود سلطة حقيقية عليهم من أية قيادة سياسية.

 

مع اندلاع هذه المواجهة, حماس تجد نفسها مجددا في ذات الموقف الذي يتكرر منذ عدة أشهر, حصار دولي و مواجهة داخلية دموية تستنزف شعبيتها, الحكومة الحالية أصبح من الواضح أنها لن تستطيع رفع الحصار دون الاستجابة للرغبة الدولية و تقديم المزيد من التنازلات السياسية والأمنية وأهمها لجم المقاومة, فالدول الغربية ترى انه لا يمكنها القبول بتقديم المساعدات ورفع الحصار عن السلطة دون قيامها بأبرز مهامها وهي الحفاظ على الهدوء في الأراضي الفلسطينية ومنع قيام أي تهديد لأمن الكيان الصهيوني من هذه المناطق, وحماس لا يمكنها القبول بهذا الدور للسلطة, ومحاولات حماس للمناورة في مواجهة المجتمع الدولي بالتهديد بحل السلطة او غيرها من المناورات,  تواجه داخليا من قبل الشريك السياسي ' فتح' بالرفض, كذلك يبدو من الواضح تعثر محاولاتها للمشاركة بصنع القرار السياسي الفلسطيني من خلال موقعها في الحكومة, او الرغبة في الإسراع بإصلاح منظمة التحرير والمشاركة الفاعلة من خلالها في عملية صنع القرار.

 

 إزاء هذا الوضع كان لا بد لحماس من بحث خيارات بديلة وأبرزها تصعيد المواجهة مع الاحتلال, في وقت تحرص الدول الغربية اشد الحرص على استمرار حالة الهدوء للحفاظ على الموقف العربي المساند لها في مواجهة الموضوع النووي الإيراني, هذا الخيار الذي يعرض استمرارية وجود السلطة للخطر' وهو كابوس للكثيرين', بل ويضيق الباب أمام أصحاب مشروع التسوية والمفاوضات. ويمكن لحماس ممارسة خيار مواجهة الاحتلال بكل سلاسة وهو الأمر الذي يحظى بالمساندة من الشارع الفلسطيني الغاضب من ظروف الاحتلال و الفقر والحصار.

 إذا نحن نتحدث عن مسار من شانه أن يهدد مصالح الكثيرين وخصوصا الأطراف الضاغطة على حماس حاليا, سواء المجتمع الدولي و الدول العربية, او الكيان الصهيوني الذي لا يرغب بأي حال من الأحوال بتصعيد الوضع أو أن يضطر لإعادة احتلال قطاع غزة, و قيادة منظمة التحرير التي ترى في مشروع التسوية الخيار الاستراتيجي, والتي سارع قائدها أبو مازن لبذل كل الجهود للحفاظ على التهدئة,  كما أن من شأن هذا الخيار أن يوقف النزيف في شعبية حماس داخليا ويضع خصومها الداخليين وخصوصا قيادة المؤسسة الأمنية في موقف محرج للغاية أمام  الجمهور الفلسطيني.

 بالفعل كان تصعيد الفعل المقاوم هو الخيار الذهبي والسلوك الأذكى سياسيا بالنسبة لحركة حماس والشئ الذي يعطيها أفضلية واضحة في هذا الصراع على مستقبل القرار السياسي الفلسطيني.