الجمعة 14 فبراير 2020 الساعة 02:19 ص

مقالات وآراء

الفوضى الخلاقة وحكومة الوحدة ..؟!

حجم الخط
الكثير من الحريصين على وحدة الشعب الفلسطيني رحبوا بحكومة الوحدة الوطنية، والقليل انتقدها لاعتبارات عديدة، فمن رحب رحب لكون القضية الفلسطينية تشغل كل بال غيور ومحب لفلسطين وأهلها، ومن انتقد انتقد لكونه أيضا وفيا ولا يقدر على مشاهدة الفلسطيني يذبح أخاه الفلسطيني، ويريد أن يقع تحت طائلة القانون كل من أساء للقضية وأهلها سابقا وحاضرا ولاحقا، فتفعيل وتطبيق القانون لا يختلف عليه اثنان، وعودة الفوضى ولواحقها مطلب قوي للفاسدين وأسيادهم.
 
الفوضى ليست مطلب محلي وداخلي لقلة قليلة ومتنفذة فقط ، بل تمتد لتصبح مطلب للصهاينة الجدد بمفهوم الفوضى الخلاقة والتي إن هدئت نيرانها قليلا هنا في فلسطين لعوامل محلية وإقليمية وعالمية، سرعان ما ستعود بقوة أكبر إن لم يحسن ضحاياها التعامل معها وأخذ العبر والدروس من هجومها على عدة جبهات في آن واحد، تمتد من العراق وأفغانستان إلى الصومال إلى السودان والبقية تتلاحق، وجولة الفوضى الخلاقة في فلسطين بالنسبة للصهاينة الجدد من الأفضل تهدئتها الى حين التفرغ والتخلص من الجولة الكبرى للفوضى الخلاقة في ايران وذبح السني للشيعي والشيعي للسني ليقول الساسة الأمريكان للعالم بعد ذلك أنظروا جئنا لنخلص العالم من الشرور وننقذه من جهالات وتخلف وإجرام الشيعه والسنة وننشر العلم والحضارة، والقانون، والعدالة، والإنسانية في هذه المنطقة المليئة بالظلمات والأحقاد.
 
فحكومة الوحدة الوطنية من الصعب أن تصب في صالح الفوضى الخلاقة لأنه بكل بساطة تخالفها، ولأن في التوحد والعمل المشترك لا يوجد مكان ومتسع للفوضى، صحيح أن هناك ثمن كبير لحكومة الوحدة الوطنية ولكنه يبقى ثمنا قليلا أمام الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني، وصحيح ان هناك مطبات وصعوبات أمام حكومة الوحدة الوطنية وهذا ليس بالأمر الجديد وهو ديدن الحكومات، فمنذ متى كان الوضع الفلسطيني مريح ؟ وهل ترتاح شعوب واقعة تحت الاحتلال وتنعم بالحرية والرفاهية والعيش الرغيد.. ؟!
 
فالحالة الفلسطينية أوجدت حركة إسلامية على سلم الحكم دفعة واحدة مما شكل صدمة لقوى محلية وإقليمية وعالمية، هذا الوضع الجديد دفع باتجاه إسقاطها بأي ثمن كان.. حتى لو أدى الى حرب أهلية كحلقة من حلقات  الفوضى الخلاقة  وهو ما حصل بالفعل لولا سرعة تدارك الأمر من أطراف حريصة على القضية، مع ما يصاحب ذلك من تنازلات تتطلبها المرحلة ولكنها لم تصل الى مرحلة الخطوط الحمر كما تسرع الظواهري ووصفها بذلك.
 
 ألآن  شكلت حكومة الوحدة الوطنية مما يعني دخول مرحلة جديدة تقلصت فيها حدود مناورة الفوضى الخلاقة، بوصلتها ليس تحسين الوضع الاقتصادي لأننا لم نسمع عن شعب محتل على مدى التاريخ عاش في وضع اقتصادي مريح مع وجود الاحتلال، ولا يعني ذلك عدم تحسين الوضع الاقتصادي عبر محاربة الفاسدين وعبر تعزيز مقومات الصمود الاقتصادي المختلفة، وبوصلة حكومة الوحدة الوطنية لن تكون على الإطلاق المحتل الغاصب ورضاه أو عدم رضاه عنها، فهذا المحتل كما كل الغاصبين على مدى التاريخ ينطلق من استراتيجية ' هل من مزيد ' ولا يجدي معه غير القوة بمختلف أشكالها وبحسب ظروف الزمان والمكان.
 
المحافظين الجدد أو الصهاينة الجدد وان كانت استراتيجيتهم في الفوضى الخلاقة قد انتكست في مجال المقاومة العراقية، ومجال تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتخطي الشعب الفلسطيني للحرب الأهلية، إلا  انه من الصعب ومن المبكر القول أنها انتكست في قضية سني وشيعي وإحياء النعرات الطائفية والمذهبية بفعل جهالة الجهلاء ممن لحقوا بركب بعض الزعامات وممن يسمون أنفسهم بعملاء الدين سواء من السنة او الشيعة، وكذلك من المبكر القول أنها انتكست في الصومال مثلا.
 

 مما سبق يتضح أن الطريق طويلة وشاقة امام المخلصين من هذه الأمة، وأنه يجب عليهم الوقوف بحزم وقوة أمام الأطماع الأمريكية والصهيونية الواضحة في الفوضى الخلاقة، على أن يكون التحدي ضمن تخطيط علمي سليم بعيد عن الارتجالية والعواطف يحكمه أخذ العبر من أخطاء السابقين، وأخذ القرارت الحكيمة ضمن البدائل المتاحة والأقل كلفة وضرراً.