الأربعاء 12 فبراير 2020 الساعة 03:02 م

مقالات وآراء

فن إدارة الحكم لدى حركة حماس ...؟!

حجم الخط
جاءت حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى سدة الحكم على أثر الانتخابات التشريعية النزيهة التي جرت بتاريخ 25\1\2006، وهذا شكل للحركة قوة كبيرة ودعم منقطع النظير لم تتوقعه هي أصلا ضمن حساباتها، وهنا وبدون مقدمات وقعت الحركة مباشرة في المحك العملي لترى مدى قدرتها على تطبيق نموذجها في إدارة الحكم الرشيد التي طالما نادت به ولكنه أتى  ضمن ظروف قاهرة وغير طبيعية، والتي هي عبارة عن سلطة وطنية فلسطينية محدوده في الضفة الغربية وغزة، تنتهك حرمتها صباح مساء من قبل الاحتلال الذي يحصي ويعد أنفاس الفلسطينيين ، وتتربص بها أمريكا اعتى قوة طغيان وإجرام منذ فجر التاريخ ، ودول عربية مسلمة لا تقدر على زعل السيدة رايس .
 
وبدأت هنا المعركة الحقيقة والاختبار العملي لقدرة حركة مقاومة إسلامية ظهرت منذ عشرين عاما على إدارة دفة الأمور بدمج السياسة مع المقاومة بعيدا عن النظريات، في ظل الأمواج العاتية من كل حدب وصوب، وخاضت الحركة صراعا ليس له سابقة في التاريخ على عدة جبهات في آن واحد ، ولعل من أشدها كانت الجبهة الداخلية مع حركة وطنية قادت النضال الفلسطيني لعشرات السنين، وتعتبر نفسها الأم والأب للجميع ،وقدمت عشرات الآف من الشهداء والجرحى والأسرى وما زالت، وعندها برنامج سياسي تسعى وتريد تطبيقه وإنجاحه ' مع أنه أودى بحياة زعيمهم القائد الرمز ' قائم على التفاوض مع الاحتلال شعاره فاوض ثم فاوض .
 
هذه الحركة وجدت نفسها مرة واحدة على الرصيف ودون مقدمات بفعل النجاح الكبير لحركة حماس في الانتخابات التشريعية 'الذي كان في الأصل شركا اعد لها بعناية فائقة' والذي لم يكن متوقعا بكل هذا الكم ، ولذلك بدأت تمارس على أرض الواقع كل ما تستطيع،وبكل الوسائل الديمقراطية وغير الديمقراطية وبكل ما أوتيت من قوة  لإثبات أن برنامجها هو الأفضل ضمن ما هو متاح، وتضيق الخناق على حكومة حماس لإثبات عدم قدرة وصلاحية برنامجها على تلبية حاجات ومتطلبات المجتمع الفلسطيني .
 
وأدارت حركة حماس المعركة على مختلف الاصعده، وأظهرت قدرة كبيرة في المهارة القيادية والإدارية في توجيه دفة السفينة، وتحمل  الضغوط وامتصاص الضربات واستسقاء العبر من أخطاء سابقيها وعدم الوقوع فيها، وبحكم وجود رئاسة للسلطه ورئاسة للحكومة ظهرت أمور خلافية كبيرة وسحبت صلاحيات من اختصاص الحكومة ، ومع ذلك أدارت حماس الحكومة الفلسطينية بكل شفافية ، حيث لا اختلاس لأموال الشعب ، ولا وظائف لساقطي التوجيهي ، ولا امتيازات للوزراء والنواب غير زنازين الاحتلال وغرف السجون الكريهة، فوزير مالية يقبع في السجن لا لجرم ارتكبه سوى انه أراد أن يدير الأمور المالية بطريقة علمية صحيحة لا مكان فيها للفساد، وعملت حماس على إنصاف الموظفين المهدورة حقوقهم بفعل الفساد، وتوقف غول الفساد وسرقة قوت لشعب ممن تسلقوا على أكتاف المناضلين الأبطال سواء من حركة فتح أو غيرها... .
 
ولا احد يستطيع القول بفشل حماس في تجربة إدارة الحكم الفلسطيني،فحماس لم تفشل وان كان قد عمل على إفشالها ليل نهار، فقضية الرواتب وهي بالدرجة الأولى خطيئة من وقع على اتفاقيات المال السياسي وجعل لقمة خبز شعبه بيد أعدائه، وخطيئة من وقع اتفاقية باريس وجعل أموال الضرائب الفلسطينية بيد الاحتلال، وحتى الرواتب استطاعت حماس أن توفرها لمن راتبه اقل من 1500شيكل مع ملاحظة أن أصحاب الرواتب الكبيرة هم من كانوا يوتروا الأوضاع، وبالتالي لا حجة ولا منطق لمن يقول أن حماس جوعت شعبها،فهو إما كلام جهلاء أو كلام للمناكفات الحزبية الضيقه ، وقضية المقاومة فتكفي عملية خطف الجندي الصهيوني 'شاليط ' التي أسكتت ألسن المزاودين على مقاومة حماس للاحتلال، وقضية المجتمع الدولي والقول أن حركة حماس خسرت المجتمع الدولي فهو قول غير دقيق فمن هو هذا المجتمع الدولي ....؟! أليس هو عبارة عن أمريكا ودول تدور في فلكها إما خوفا أو مصلحة، وقضية سني وشيعي التي افتعلتها أمريكا ضمن الفوضى الخلاقه ، أليست حماس هي من لا يفرق بينهم، فمشعل وهنية تارة في مكة وتارة في طهران مجسدين بذلك معاني الأخوة الإسلامية الصادقه مفشلين بذلك خديعة أمريكا لإضعاف العرب والمسلمين عبر إثارة النعرات المذهبية والقبلية المقيته.
 
ومن لا يخلص للقول أن حماس نجحت في إدارة أمور الحكم وتوجيه دفة القيادة فهو بحاجة إلى مراجعة قوله هذا، فحماس وخلال اقل من عام أعادت للقضية الفلسطينية بعدها العربي والإسلامي ، وأعادت تصويب الوضع الفلسطيني برمته، وجعلت دولة الاحتلال والدولة العظمى أمريكا وكل المنافقين من الاتحاد الأوروبي وحتى الأنظمة العربية يسعون جاهدين لاعتراف حماس بدولة الاحتلال، ظنا منهم أن حماس كسابقيها ولا تختلف عنهم كثيرا ، فاعتراف الضحية بجلاديها وحقه في جلدها وذبحها ليس من سمات حركة حماس لماذا.. ؟1 لأنه ببساطة حماس لها منطلقاتها الفكرية والعقائدية المختلفة اختلافا جذريا عن المنطلقات الفكرية للآخرين .
 

ومع أن حركة حماس لم تعطى الفرصة لإثبات جميع قدراتها في فن إدارة أمور البلاد والعباد، وتطبيق رؤيتها وبرنامجها في الحكم الرشيد إلا أنها استطاعت أن توقف مسلسل التنازلات والفساد، وقالت لأمريكا والاحتلال لا بالفم المليان، وأعادت توجيه بوصلة النضال الفلسطيني لوجهتها الصحيحة، ورفعت ونيرة الثقة لدى شعبها بوجود أناس حريصين على قضاياه المصيرية وأمواله وأعراضه وخير دليل على ذلك عدم تجاوب الشعب الفلسطيني مع الحصار وتفهمه لصمود حماس ووقوفه الى جانبها مما أربك مخططات الأعداء جميعا، وهذا أدى بالتالي إلى إعادة ثقة الشعوب العربية بنفسها وأنها قادرة على التغيير لاحقا وما ذلك ببعيد، وأخيرا توجت حركة حماس إنجازاتها الرائعة في فن إدارة الحكم باتفاق مكة الذي أربك أمريكا والاحتلال، وجمع حماس وفتح في بوتقة واحده نحو مقاومة المحتل الغاصب وفوت فرصة النيل من وحدة شعبنا، وما سوف يأتي من ثمرات طيبة لهذا الاتفاق أعظم وأطيب وقد بدأت بشائرها تلوح في الأفق.