-

حماس تلقي الكرة في ملعب فتح!!

وسام حسن أبو شمالة

متخصص في الشؤون العربية والإقليمية

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [12]

ماذا تبقى من شرعية الرئيس؟

مسيرة العودة الكبرى... هل ستنجح؟

مسيرة العودة الكبرى.. التهديدات والمخاطر

لماذا يخشى الاحتلال مسيرة العودة الكبرى ؟!

البدائل الوطنية بعد مؤتمر 30 أبريل

برزت قبيل الجولة الأخيرة من الحوارات التمهيدية التي تجريها القاهرة مع حركة حماس عدة معطيات كلها تشير إلى أن مزيدا من الضغط على حماس وحشرها في الزاوية ستكون عنوان المرحلة القادمة , فتناوبت التصريحات متعددة المصادر على تحميل من يرفض المبادرة المصرية للمصالحة تبعات هذا الرفض من اتخاذ عقوبات بحقه وحصاره وعزله سياسيا واقتصاديا وغير ذلك من التلميحات , ولم أجد محللا سياسيا واحدا او مراقبا او مسئولا حزبيا الا كان موقفه اقرب الى ان مصر والجامعة العربية ستقوم في نهاية المطاف في تحميل حماس مسئولية إفشال المساعي المصرية لراب الصدع الفلسطيني الداخلي , وذلك لتوقع الجميع المسبق بان حماس ابعد الى التخلي عن سيطرتها ونفوذها المطلق في قطاع غزة ورفضها عودة الأوضاع لما كانت  عليه قبل حزيران 2007 , وذلك لان حماس ماضية في إحكام سيطرتها على القطاع سياسيا وامنيا ومدنيا , ونجاحها في حلحلة الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض عليها ..

 

ومع انتهاء جولة الحوار التمهيدية فاجأت حماس الجميع في طرح ورقتها للحل وهي قريبة إلى حد بعيد للورقة المصرية فكان الارتياح المصري الذي أعقبه ارتباك فتحاوي عكسته تناقضات     في تصريحات وتعقيبات المتحدثين باسم الحركة وقادتها , فواحد يرحب وآخر يشكك ونفر يرفض...

من الواضح أن حماس نجحت بامتياز في إلقاء الكرة من ملعبها إلى ملعب حركة فتح وانتقلت من ساحة الدفاع وردود الفعل على الاتهامات والخيارات المستقبلية إلى المبادرة والمبادأة بالتحلي بالمسئولية الوطنية وإبداء المرونة لصالح إنجاح الوساطة المصرية وقطع الشكوك التي سولت للبعض في رغبة حماس في إقامة 'حماستان' في غزة وفي المقابل أصبحت فتح اضعف موقفا بعد رفضها للاقتراح المصري بعقد لقاء بين الإخوة في قيادة الحركتين الوطنيتين  حماس وفتح مما أفسح المجال لحماس بإقناع الأطراف ذات الصلة بان الانقسام الفتحاوي الداخلي حول المصالحة مع حماس هو الذي يؤدي إلى استمرار الانقسام الفلسطيني , وعندما تحسم فتح خياراتها تجاه العلاقة الايجابية مع حماس والمتمثلة في الشراكة الوطنية وليس الاستئصال والتلويح بالعصا الصهيونية(خيار الجنرال ذياب العلي) فان حوارات القاهرة ستنجح وإلا فان الاسوا قادم لا محالة وهنا تصبح الأطراف العربية مطالبة بالضغط على الرئيس أبو مازن لحسم خياراته في إنجاح الحوار والمصالحة مع إخوانه في حماس وعدم الالتفات لجماعات المصالح واللوبيات الفتحاوية المستقوية بالخيارات الصهيونية والتي تخشى أن تفقد مناصبها ونفوذها في حال تمت المصالحة مع حماس كما أن الأطراف العربية وخاصة الشقيقة مصر , مطالبين في حال  فشل الحوار لا سمح الله  بتنفيذ وعيدهم بالإعلان عن المسئول عن إفشال الحوار وبالتالي فك العزلة السياسية والحصار الاقتصادي المفروض على قطاع غزة , فهل يحدث هذا السيناريو؟!

لقد تفاعلت عدة عوامل أدت إلى نجاح حماس في نقل الكرة من ملعبها إلى الملعب الفتحاوي فقد كانت حماس آخر فصيل يدعى إلى مائدة الوزير عمر سليمان في جلساته التمهيدية للحوار الفلسطيني الداخلي , مما أعطاها مزيدا من الوقت للتشاور والدراسة لكافة الأبعاد المتعلقة في هذا الملف الشائك , خاصة أن طبيعة الظروف الجيوسياسية المحيطة بالحركة تؤدي غالبا إلى البطء في صنع القرار السياسي مما لا يتناسب أحيانا مع الواقع الفلسطيني الذي يلعب فيه عنصر الزمن دورا هاما على مجريات الأحداث , وبالتالي فان الوقت الممتد من إعلان القاهرة عن رعايتها للحوار الفلسطيني وحتى دعوة الحركة التمهيدية للحوار كان كافيا ومناسبا لصياغة رؤية وطنية للخروج من المأزق الفلسطيني ,على قاعدة الشراكة السياسية .

 

 كما أن رؤية حماس في الحل أقنعت الراعي المصري لأنها تستند إلى مرجعيات مثبتة وتجارب سابقة ودلائل واضحة , فطلب حماس بان يكون الاتفاق رزمة واحدة ويحل كل القضايا الشائكة يستند إلى تجربة اتفاق مكة الذي لم يصمد بضعة أشهر حتى تفجرت الأحداث..ومعضلة هذا الاتفاق انه استعجل قطف الثمرة قبل نضوجها فكان عموميا ولم ينهي تفاصيل الأزمة ولم يشكل مراقبين أو لجان واعتمد على حسن النوايا وأبقى على الملفات الأساسية عالقة وهي إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وبناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية ووطنية وتم الاتفاق فقط على حكومة وحدة وطنية بالشكل وليس في المضمون , فكل وزير طبق أجندة تنظيمه وليس أجندة الحكومة أو اتفاق مكة ..وهذه التجربة لا تريد تكرارها حماس , وهذه الرؤية تتقاطع تماما مع الآلية التي يتبعها الراعي المصري , فنجد أن مصر لم تتخذ قرارا برعاية الحوار الفلسطيني- الفلسطيني إلا بعدما نضجت الظروف التي تساعد على إنجاح هذا الحوار , وقامت  بإرسال استفسارات للأطراف ذات الصلة حول رؤيتها للحل , ثم مهدت بجلسات تمهيدية مع كل الفصائل الفلسطينية , واعتقد أن مصر لن تصل إلى اتفاق بين الأطراف إلا إذا عالجت كل الملفات ووضعت الآليات العملية والرقابية لتنفيذ هذا الاتفاق .وفي ملف م.ت.ف فان حماس تستند إلى اتفاق القاهرة 2005 والذي رعاه الوزير عمر سليمان ويعلم جيدا فحواه وكيف انه ظل حبرا على ورق , وفي موضوع دمج الأجهزة الأمنية وصياغتها على أسس وطنية في غزة والضفة فحماس وافقت على هذه الرؤية واستعدت لتنفيذها في منطقة حكمها (غزة) فيبقى قبول فتح بهذه الرؤية في الضفة الغربية؟!وفي موضوع الحكومة أبدت حماس مرونة كبيرة واستعدت للتخلي عن رئاستها وإقامة حكومة وفاق وطني , كما استعدت لمراجعة موقفها من تمديد ولاية الرئيس عباس , وبالتالي فان حماس أثبتت بأنها حريصة على إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي وفق رؤية وطنية وعلى الطرف الآخر أن يثبت هذا الحرص.

 

ولكن يبدو أن حركة فنح تتخوف من أن يؤدي إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية ودخول حركة حماس إليها سيؤدي في النهاية إلى سيطرة الحركة على المنظمة وبالتالي تحكمها في القرار السياسي الفلسطيني , كما تخشى فتح من أن قبولها بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس مهنية ووطنية سيعني ذلك إلغاء التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي إضافة إلى دخول أفراد من حماس إلى هذه الأجهزة في الضفة الغربية وهذا ما يتعارض تماما مع الفلسفة القائمة على أساسها هذه الأجهزة إضافة إلى الفيتو الأمريكي –الإسرائيلي المطلق حول هذه القضية والتي تتناغم أصلا مع قناعات الجنرالات في هذه الأجهزة . من هذه المنطلقات يتضح تماما أن معضلة إنهاء الانقسام الفلسطيني تكمن في رفض فتح للشراكة السياسية الكاملة مع حركة حماس عوضا عن الفصائل الوطنية الفلسطينية وان سيناريو عدم الاعتراف بالشراكة السياسية الممتد من نتائج انتخابات يناير2006 هو الذي أوصل الحالة الفلسطينية إلى ما هي عليه الآن , ولن ينقذ القضية الفلسطينية إلا عندما تقتنع حركة فتح  باستحقاقات الشراكة السياسية الوطنية وتقتنع أن التحول في النظام السياسي الفلسطيني أصبح واقعا لا يمكن طيه برهانات خاسرة.

كلمات مفتاحية