-

أرانب فلسطينية، وأسود

د. فايز أبو شمالة

كاتب سياسي

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [1485]

مقارنة بين 'خالد مشعل' و 'أهود أولمرت'

حصنُ حماس المنيع

معادلات فلسطينية إسرائيلية

أنصار الهزيمة في فلسطين

1333 مقتولاً، وقاتلاً!

بحرقة الثوار، وصدق المشاعر، ودقة التعبير، وبحس مسئول تجاه ناخبيه، كتب عضو المجلس التشريعي عن حركة فتح؛ النائب عيسى قراقع مقالاً نقدياً لسلوك القيادات العسكرية الفلسطينية التي تُخلي مقراتها، وتوسع الميدان، وتترك الجيش الإسرائيلي يقتحم المدن، والمخيمات الفلسطينية، يقتل، ويعتقل، ويعيث فساداً، دون أن يجد من يصده، أو يصرخ في وجهه، وبعد أن تنهي القوة الإسرائيلية مهمتها، يخرج القادة العسكريون الفلسطينيون، يلبسون رتبهم العسكرية، ويمارسون سلطانهم على المواطن الفلسطيني الذي أمسى بوجدان حائر بين التصديق بوجود سلطة فلسطينية من عدمها! وهل الفلسطيني في الضفة الغربية واقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، أم تحت الحكم الذاتي؟ والمضمون؛ إذا كان الجيش الإسرائيلي يفعل ما يطب له، ما لزوم سلطة الحكم الذاتي، وإذا كانت هناك سلطة فلسطينية، لماذا لا تنقذ الشعب الواقع تحت حكمها، وتحميه؟ لماذا تصمت على ممارسات المستوطنين، والإسرائيليين، وتتحرك ضد المقاومين، من المسئول عن أمن الوطن، وحماية المواطن؟

 

مثل كهذا مقالٍ نقديٍّ جريءٍ لا يجافي الحقيقة، ويحاكي وجدان الفلسطينيين في الوطن والشتات، وهو لغة الناس، ويستدعي من كل عاقل، منتمٍ لتنظيم فلسطيني، أو بعيداً عن التنظيمات بأن يقف، ويفكر في المخرج من هذه الحالة الفلسطينية العجيبة، والغريبة، والمحيرة، إن مثل هذا الرأي سيجر على كاتبه التهم، والتهكم من البعض، والهجوم، والتهجم من البعض، وربما سيتعرض إلى الاتهام بالخيانة، والعمل لصالح إسرائيل، لأن القيادة السياسية الفلسطينية لا تحتمل النقد، فهي لا تنطق عن الهوى، وإن هي إلا وحي يوحى، وعليه فهي معصومة من الخطأ، رغم ما حاق بالشعب الفلسطيني من دمار، وكوارث حتى الآن، والطبالون، وحاملو الدفوف، أصحاب المصالح كثر، وقاعات الرقص على جثة المنتقدين قائمة، رغم معرفة الجميع بأن الشعب الفلسطيني قد تجاوز مرحلة عبادة الأزلام، وتعلق بروحه في وطنه فلسطين، واكتشف الحقيقة التي عبر عنها النائب 'عيسى قراقع'، ليمثل نموذجاً متقدماً من الصراحة، واللوعة على الوطن، ولذا آثرت أن أضع بعض النقاط على الحروف، لا بهدف الدفاع عن الكاتب المبدع 'عيسى قراقع'، الذي تزكيه سنوات سجنه على غيره، وترفعه ثقة الناس فيه بالانتخابات التشريعية عمن دونه، وإنما لتعزيز الرأي النقدي ضد الخطايا السياسية، لا بهدف النفي للمخطئين، والتشهير بهم، بل للحث على إصلاح الحال السياسي الذي أجبر الكاتب لأن يشبه الرتب العسكرية الفلسطينية العالية بالأرانب، تختفي في جحورها كلما اشتمت رائحة الكلاب الصهيونية، وقد كشرت عن أنيابها.

 

لقد عاشت غزة هاشم فترة شبيهه بما تعيشه الضفة الغربية هذه الأيام، وكانت قوات السلطة الفلسطينية تحسن الإخلاء كلما اقتحمت القوات الإسرائيلية مدن ومخيمات غزة، إلى حد التعليق الساخر من المواطنين في غزة على ذلك: بأن قواتنا الفلسطينية قد تعودت على الإخلاء منذ سنين، ولها خبرة في هذا المجال، وبالمناسبة لم تتخل القوات الفلسطينية عن عاداتها بعد أول اشتباك مع شباب حماس في قطاع غزة، فقد أخلت أكبر مقراتها، وأهمها قبل أن تصل إليها حماس، ودون إطلاق نار، على سبيل المثال [مقر السرايا، ومنتدى الرئيس]، وهذا مثبت في التقارير الرسمية التي نشرتها السلطة.

 

لم يكن الإخلاء الذي تنفذه القوات الفلسطينية أمام الإسرائيليين نتاج ضعف، أو عدم رغبة من الجنود والضباط الفلسطينيين بالتضحية، بل على العكس، كان الإخلاء، وما برح يأتي بناءً على أوامر من القيادة الفلسطينية العليا، ولو ترك المجال للقوات الفلسطينية لكي تقوم بدورها، لما كان بينهم أرنب، ولكان جميعهم أسدٌ في الميدان، ولكن المشكلة في القيادة، وليس في المنقاد، ولمزيد من التوضيح، وكما وصف لي الحالة ضباط، وجنود فلسطينيون من غزة، عملوا مع قوات الأمن الفلسطيني في رام الله، فإن التعليمات بالإخلاء كانت تصدر لهم قبل ساعات من تقدم القوات الإسرائيلية، وكان يطلب منهم تسليم سلاحهم، واللجوء إلى أي مكان آمنٍ، يحتموا فيه، وعدم الخروج منه، فصاروا بالممارسة يتوقعون اقتحام القوات الإسرائيلية، كلما صدرت لهم التعليمات بتسليم السلاح، والاحتماء في مكانٍ آمن، صاروا يعرفون أن اجتياحاً إسرائيلياً حاصلاُ بعد ساعات.

 

لا ملامة على الجنود، وهم ليسوا أرانب، بل أسود، والملامة تقع أما على القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية التي تقوم بالتنسيق الأمني مع الجيش الإسرائيلي، أو على القيادة العسكرية المسئولة عن التنسيق الأمني مع الجيش الإسرائيلي دون علم القيادة السياسية، وفي الحالتين فالمسئولية تقع على القيادة السياسية الفلسطينية، التي ينطبق عليها قول الشاعر:

 

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

 

لقد ظلت القوات الفلسطينية في غزة تقيم في مقراتها، ولا تخليها إلا إذا بُلّغت باجتياح، ولكنها لم تقم بمطاردة أي مقاتل، ولم تعق عمل المقاومة التي ازدهرت، وترعرعت تحت بصر قوات الأمن الفلسطيني، وبتعليمات مباشرة من الرئيس ياسر عرفات الذي ارتضى لنفسه أن يكون محاصراً، ومن ثم شهيداً، على ألا يكون موقعاً على صك غفران يطهر يد اليهود من الدم الفلسطيني.

 

لقد نمت المقاومة المسلحة تحت ظلال انتفاضة الأقصى، وفي جو داخلي آمن، وأعدت نفسها بشكل سريع، وفاعل، ومع السنوات لم تكتف بإزعاج الجيش الإسرائيلي بانتفاضة الحجارة، ورشق الرشاش عن بعد، بل رتبت أمورها إلى ما هو أبعد من ذلك، ألا وهو التحرير للأرض من خلال المواجهة، وهذا مربط الفرس، حيث ما يزال البعض غير مقتنع حتى يومنا هذا بمواجهة إسرائيل، رغم كل التطورات التي اكتسبتها المقاومة.

 

لم أقتنع شخصياً أثناء الحديث الهاتفي مع الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله سنة 2003، عندما أخبرني بأنه ذاهب الليلة لتفقد المقاتلين، والمرابطة في أحد الثغور المتقدمة، وكان خارجاً لتوه من سجن المدعو 'غازي الجبالي' مدير عام الشرطة، وكانت غزة بكاملها تحت السيطرة الإسرائيلية، وكانت المستوطنات تمزق قطاع غزة، وتقطع الطرق، والمواجهة مع الجيش الإسرائيلي في بداياتها، والمقاومة غضة العود، وقد ظننت أن الرجل منفعلٌ، ومتحمسٌ، ويهدف إلى شد أزر الشباب، وكانت كل معرفتي، وتقديري الميداني، واجتهادي السياسي في حينه؛ أننا أسرى اتفاقية 'أوسلو' ولا طاقة لنا بالدولة العبرية التي لو أرادت أن تسحق قطاع غزة تحت قدمها كبعوضة لفعلت، إلى أن انجلت أمام عيني حقيقة المقاومة، والنصر المبين، بعد تفجير الموقع العسكري الإسرائيلي المحصن جداً، والمنيع جداً، في منطقة 'المطاحن'، وقد وصل إليه الشباب عن طريق نفق تحت الأرض، فصار هشيماً بعد أن كان مرعباً، ومهيباً، يومئذ آمنت أن المقاومة صانعة المعجزات، وربما كان ذلك التفجير، وما لحقه من تفجير مماثل في معبر رفح، وراء انسحاب شارون من قطاع غزة.

 

وللتاريخ، فقد شاركت القوات الفلسطينية معارك الشعب ببطولة في بدايات انتفاضة الأقصى، وأظهروا من الوطنية ما يشرف كل فلسطيني، بل وتمكنوا من أسر عدد من الجنود الإسرائيليين في 13- 11- 2000، قبل أن تصدر لهم الأوامر بإخلاء سبيلهم، وتصدر لهم التعليمات فيما بعد بإدارة الظهر، وتنكيس السلاح إذا مر الجيش الإسرائيلي، وهذا ما لم يرق للكثير منهم الذي تخلي عن الدوام الرسمي مع القوات الفلسطينية، والتحق بالمقاومة، وقد تم ترقين قيد العديد منهم لفترات طويلة، وقد لجأ بعضهم إلى أسلوب الخطف للأجانب، والسيطرة على المقرات الحكومية كي يعاد راتبه، ونجحوا بقوة السلاح في إعادة رواتبهم.

 

إن عدم خروج القوات الفلسطينية لملاقاة العدو الإسرائيلي في الميدان ليس عيباً، ولا نقيصة في حقهم، ما دامت عودتهم، ووجودهم، وسلاحهم رهن لاتفاقية ' أوسلو' التي حرمت عليهم مواجهة الجيش الإسرائيلي، ولكن العار كله يحيط بهم لو قاموا بملاحقة، ومطاردة، وإلقاء القبض على الشباب المقاوم، أو الكشف عن الأنفاق التي يعدها شباب المقاومة لمفاجئة العدو، لو فعل بعضهم ذلك فهو أصغر من أرنب، وأسوأ من روابط القرى العميلة، وأنكد من قوات أنطوان لحد في الجنوب اللبناني، وأرخص من جماعة الصحوات في العراق، وأهون من جيش حامد كرازي في أفغانستان.

 

إن حالة الخلل العامة التي يعيشها الفلسطينيون ترجع إلى وجود سلطة فلسطينية مقيدة باتفاقية 'أوسلو'، وغير قادرة على تحمل مسئولياتها بالكامل، وقد تم عقد قرانها على الشعب الفلسطيني، فصارت له زوجاً شرعياً، بحفل زفاف دولي، وصار على الشعب أن يكون الزوجة المطيعة لزوجها الذي سيوفر لها كل احتياجاتها، والأهم من ذلك، أنه سيوفر لها الأمن، والحماية، ولكن الأيام دللت على عجز الزوج عن توفير المتطلبات الزوجية، وترك الشعب الفلسطيني كالمرأة المعلقة، لا هي متزوجة، ولا هي مطلقة. في مثل هذه الحالة من حق الزوجة طلب الطلاق، والبحث عن زوج آخر؛ شهم، قادر، يتحمل مسئوليته بالكامل في حمايتها، ورعاية بيتها، وتربية أطفالها، وليذهب الزوج الضعيف الخائب، الخائر إلى الجحيم، إذا لم يثبت كفاءته، ورجولته، ويغير من هندامه، وسلوكه، وعاداته، وطباعه، ويرتش كل صباح بعطر الشهادة، ويزفر كل مساء أريج الكرامة.

 

إلى أن يتحقق ذلك، أعيد على مسامع النائب 'عيسى قراقع' ما قيل قديماً: بأن جيشاً من الأرانبِ يقوده أسدٌ أفضلُ ألفَ مرةٍ من جيشٍ من الأسودِ يقوده أرنبٌ.


كلمات مفتاحية