-

الرأسمالية المتوحشة ونهاية حقبة التفرد الأمريكي

ياسر الزعاتره

كاتب ومحلل سياسي

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [1027]

حملة مركز أحرار للتضامن مع النواب الأسرى

عكا في مواجهة عصابات القتلة والمتطرفين

أسئلة حول حركة فتح وخطابها السياسي

الورقة المصرية للحوار.. أي جديد؟!

تغير واشنطن نمط علاقتها بالإسلاميين؟

انشغل العالم خلال الأسابيع الأخيرة بملف الاقتصاد الدولي في ظل مسلسل الانهيارات الذي تعرضت له المؤسسات المالية الكبرى في الولايات المتحدة، وكانت المفارقة أن يأتي اندلاع هذه الأزمة الخطيرة في ظل معركة أخرى لم تتوقف تداعياتها؛ أعني تلك التي اندلعت بين جورجيا وروسيا، وما تبعها من مناوشات بين الولايات المتحدة ودول حلف الأطلسي من جهة وبين روسيا من جهة أخرى.

الرابط الأساسي بين القضيتين هو ذلك المتعلق بالتفرد الأمريكي بالشأن الدولي، ففي حين كانت المعركة بين جورجيا وروسيا، ومن ثم عجز الغرب عن الوقوف في وجه التمرد الروسي مؤشراً على نهاية زمن التفرد الأمريكي السياسي والعسكري بالمنظومة الدولية، جاءت الأزمة المالية لتشير إلى أن الاقتصاد الدولي لم يعد بوسعه المضي في لعبة الارتباط العضوي بالاقتصاد الأمريكي، كما لم يعد بوسعه المضي في برنامج العولمة المتوحشة الذي كان يزيد الأغنياء غنىً، والفقراء فقراً، بينما ثبت أن الأغنياء أنفسهم لن يكونوا بمنأىً عن تداعياته المرة بين حين وآخر. والنتيجة أن رؤية أخرى لا بد أن تأخذ في التبلور لصياغة منظومة الاقتصاد الدولي، وهي رؤية لم يدع إليها مفكرون واقتصاديون وناشطون في مؤسسات المجتمع المدني فقط، بل دعا إليها قادة دول كبرى، كما هو حال الرئيس الفرنسي ساركوزي، في حين ترجمها جورج بوش عملياً باستعادة دور الدولة في ضبط الاقتصاد، خلافاً لتعاليم الرأسمالية.

خلال يوم الاثنين 29/9، وعقب رفض مجلس النواب الأمريكي لخطة الإنقاذ المالي التي اقترحها بوش بقيمة 700 مليار دولار، خسر حملة الأسهم في «وول ستريت» 1,2 تريليون دولار. وبحسب تقديرات خدمة «بلومبيرغ» ، خسر حملة الأسهم في البورصات العالمية خلال الأيام الثلاثة التي أعقبت انهيار بنك «ليمان براذرز» منتصف الشهر الماضي ما قيمته 3,6 تريليون دولار، بينما بلغت الخسائر منذ 30 تشرين أول (أكتوبر) الماضي 19 تريليون دولار.

تعكس كل تلك الأرقام لعبة الاقتصاد الدولي في طبعته المعولمة، والتي حولته إلى صالة للقمار يتلاعب بها مقامرون متخصصون، بينما يقع الصغار ضحايا البحث عن الربح السريع. وتشير بعض الدراسات إلى أن الأرقام الموجودة في البورصات والبنوك والمؤسسات المالية هي عملياً 1500 ضعف القيمة الحقيقية للسلع والخدمات المتوفرة على الأرض.

منتصف الشهر الماضي، نشر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر بالتعاون مع خبير الاقتصاد (مارتن فيلدشتاين) مقالاً في صحيفة هيرالد تربيون حول السياسات التي ينبغي على الغرب اتباعها لمواجهة ارتفاع أسعار النفط؛ وما وصفه بأنه أكبر عملية انتقال للثروة من منطقة إلى أخرى في التاريخ (يقصد من الغرب إلى الشرق، وإن عمّى على موقفه المنحاز للدولة العبرية وضد العرب بالحديث عن دول أوبك)، وكان من أهم الخطوات التي اقترحها لتنزيل أسعار النفط، ما يتعلق بتقليص، وصولاً إلى منع المضاربة على النفط، ما يعكس إدراكاً لدور المضاربة المحوري في زيادة الأسعار، الأمر الذي ينسحب على الكثير من السلع الأخرى التي يجري بيع صفقاتها مئات المرات قبل أن تدخل حيز الاستهلاك الفعلي.

سوق الأسهم هو الذي يفضح بشكل أوضح هذه اللعبة؛ لعبة السوق الافتراضي كما يسميه البعض، حيث لا يشتري المضاربون أسهماً في شركة من أجل انتظار عوائدها السنوية، وإنما يشترون أوراقاً بهدف المضاربة عليها، وبذلك ترتفع الأسعار، وتصبح قيمة الأسهم أضعاف القيمة الحقيقية للشركة.

هذه اللعبة يديرها ويجني ثمارها مضاربون كبار ، بينما تواصل الأسعار الارتفاع وصولاً إلى ما يعرف بظاهرة الفقاعة التي ما تلبث أن تنفجر، وغالباً في صغار المضاربين، وهي قصة تابعناها مرات ومرات خلال السنوات الأخيرة في عدد كبير من الدول. ولا يتوقف الضرر عند ذلك، بل يتجاوزه إلى هجرة رؤوس الأموال من الإنتاج الحقيقي النافع (زراعة وصناعة وخدمات)، إلى سوق المضاربات.

شيئاً فشيئاً يكتشف العالم خطورة هذه اللعبة التي تحول الاقتصاد العالمي إلى ساحة للقمار يتسيّدها مقامرون كبار يجنون الثروات الهائلة، بينما يئن أكثر من نصف البشرية تحت وطأة الفقر والحاجة، وإلا فأي نظام مالي هذا الذي يؤدي إلى أن يملك بضعة مئات من الأشخاص أكثر مما يملكه نصف البشر على وجه الأرض؟!

عنوان السياسة الاقتصادية في الإسلام لو رجع إليه البشر هو الحيلولة دون أن يكون المال «دولة بين الأغنياء» ، أي التوزيع العادل للثروة، ومحاباة الفقراء على حساب الأغنياء وليس العكس. وفي البيع والشراء «يداً بيد»، أي بيعاً وشراء حقيقياً وليس مضاربة هي في حقيقتها ربا الأضعاف المضاعفة التي أشار إليها القرآن الكريم.

الذين يفتون من العلماء بجواز المضاربة على الأسهم والبضائع والعملات لا يدركون روح الإسلام في التعامل مع حركة المال، وهم في واقع الحال يسيرون وفق نهج الرأسمالية المتوحشة التي تزيد الأغنياء غنىً والفقراء فقرا.

لقد آن أن تتوقف هذه اللعبة ، وأن يتوافق مفكرو العالم وعقلاؤه ومثقفوه على المطالبة بنظام اقتصادي أكثر عدلاً من هذا الذي يحكم العالم هذه الأيام، ولا شك أن على الإسلاميين أن يكونوا في طليعة المناضلين من أجل ذلك، هم الذين يخالف ما يجري روح دينهم ومبادئهم. وحين يتزامن هذا التحول مع تعددية قطبية تنهي زمن التفرد الأمريكي، فسنكون بإزاء عالم أكثر عدلاً وتوازناً يتيح للفقراء والمستضعفين فرصة أفضل للعيش والتقدم.

كلمات مفتاحية