-

​هكذا يجري القمع في السجون الإسرائيلية

وليد الهودلي

اديب فلسطيني وأسير محرر

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [4]

​لماذا العدوان على غزة؟!

في وارسو يكسرون الخبز معا؟ وماذا عن خبز الذين اجتمعوا في موسكو!

​حجارة بيت عاصم ترسم مستقبل المعركة...

كان يحاول فتح عينيه ليعود من حالة الغيبوبة؛ علّه يبصر بعضًا مما جرى له، لم يتركوا خلية من جسده إلا وأشبعوها ضربًا بالعصي والركل واللكم الذي يخترق الجلد واللحم وينخر العظم، وكان أشدها إيلامًا الصفعات الكهربائية من عصيهم المكهربة التي كانت تنتشر في الجسم انتشار النار في الهشيم، تغيرت معالم الوجه وصار مسرحًا لكل من لا يتقن الوقوف على خشبته، تكسّرت الأسنان، وفتحت الأخاديد في الخدين والجبين، الناظر إليه يظن أن مجموعة من الذئاب تناوشته وشوهت كل معالمه.

كان أحد ستة من الأسرى استفردوا به ما بين قسمهم وغرفة الزيارة، وكانت تنتظرهم أمهاتهم بعد أن قطعن مئات الكيلومترات ليصلن إلى عمق صحراء النقب، كانت الأمهات ينتظرن على بوابة جهنم النقب لرؤية فلذات أكبادهن، وبريق العيون الذي يُبرّد لهيب القلوب، عدن الأمهات على وقع أخبار قمع السجّان لأبنائهن، عدن بأخبار مريعة انقضت على قلوبهن لتحدث ألمًا ثقيلًا لا تحتمله هذه القلوب.

جاء مدير السجن، قلت له بعبرية واضحة: "لا دخل لنا ولا علاقة لا من قريب ولا من بعيد"، لا يريد أن يسمع.

وهجم الزبانية يضربون بعصيهم ويركلون ببساطيرهم العسكريّة، وعندما استحكمت العصي المكهربة في ظهورنا، وانتشر ضجيج آلامها في أجسادنا؛ خرج الزبد من أفواهنا، ورأيت حال الجميع حيث صارت حالي.

هجم مديرهم وأخذ يضرب بنعله الحديدي أسفل ظهري، بكل وضوح كان يريد ترك عاهة مستديمة، ورأيت ضابطًا يطعن بقلمه أنحاء متعددة من الأجساد الملقاة تحت قدميه، غبت عن وعيي عندما رأيت قلم هذا المجرم يخترق عين أحد الضحايا فتنطلق الدماء غزيرة منها، لتصبغ الوجه وتخليه أحمر قانيًا.

وكانت تفصلني عنهم نوبات من الغيبوبة عندما كان يأتي فوج جديد من الزبانية فيمارسون أحقادهم فينا، تلتقط عيناي صورة الشباب وهم يتجرعون الهوان والعذاب، ثم ما ألبث أن أتلقى وجبة جديدة فيغيب المشهد عني، سحبونا جرًّا إلى حيث الزنازينوكرم الضيافة.

تفاجأنا بعد عودتنا للقسم أنه خالٍ من سكانه وقد خرّت الخيام على الأرض صريعة دون حراك، وكان واضحًا أن القسم قد شنت عليه عملية دهم قلبت الحابل والنابل، وتركته قاعًا صفصفًا، أين ذهب الأسرى من القسم؟!

جاء الخبر مع عودة طلائعهم وقد أثخنتها الجراح لتشمل القسم.

طلبوا من سكان القسم البالغ عددهم مائة وعشرين الخروج عشرة عشرة، يخضعونهم لتكبيل الأيدي والأرجل بداية (وهم -لاشك- لا يعلمون ما الحكاية؟)، ثم عندما تكدّس العدد كاملًا جاءتهم الزبانية، الأسرى مكبلون غير قادرين على الحركة أو الدفاع عن أنفسهم، والفريق الآخر مدجج بكل أدوات القمع.

بدأت ساعة الصفر وهجم فريق الذئاب على فريق البشر المصفَّد بالحديد والأغلال، العصي ذات الكهرباء المتحركة والساكنة، النعيق والصراخ وكل أشكال السب وفحش الكلام، وصلت عصّيهم وضربت كل ما يمكن أن تطاله أحقادهم، الأسرى يُضربون دون أن يعلموا لماذا كل هذا الجنون؟، لم يرتكبوا أي شئ من شأنه أن يستدعي كل هذا الإجرام، سأل بعضهم، فكانت العصي هي التي تجيب، أمر مديرهم فريق الضباع الجبانة بالتراجع عن فريستهم المكبّلة، أعادوهم لقسمهم كما أخرجوهم عشرة عشرة.

اكتمل نصاب القسم إذ عاد ساكنوه، وكانوا جميعًا مع أنقاض الخيام والأثاث المبثوث كالعصف المأكول، شعروا بالمهانة حتى النخاع، خاصة عندما تناهت إلى مسامعهم الأسباب التي وقفت خلف كل هذا القمع.

هجع القسم ليلًا دون أي حراك من عمق الألم والغيظ والضنك، جاءهم صباحًا غراب ينعق، وقف حيث مربعهم الأمني الفاصل بين الباب الخارج وباب القسم، نادى على قائمة من الأسماء بلغت ستين أسيرًا ليكونوا جاهزين للنقل بعد خمس دقائق، إذن هذه هي الخطوة التالية في القمع، بعد المعركة والتدمير تأتي عملية التهجير والشتات.

في الأيام التالية توالت النقليات وتعدّدت التفتيشات حيث الدهم مع العربدة والتحقير والويل لمن يبدو عليه أي علامة من علامات الغضب أو التفكير في الردّ، وكانت السياسة واضحة أنها تحت عنوان: اجعلوهم عبرة لمن لم يعتبر أو لا يعتبر.

بقي في القسم أربعة عشر حيث كانت فرصة نقاش مع ضابط الأمن:

-ألم تتحققوا أن لا علاقة لنا بالمشكلة؟!، لماذا كل هذا العذاب؟!

-تريد أن تعرف لماذا؟!، أنا لا يهمني سوى الأمن، لماذا نضع الحواجز ونمنع الناس من التنقل بسهولة بين المدن الفلسطينية؟!، لماذا تلد الحوامل على الحواجز؟!، لماذا نحظر التجول على آلاف السكان؟!، ألا تعرف؟!: إنه الأمن، صحيح أن فيه تضييقًا على الناس، ولكنه وقاية لشعبنا من عملياتكم الإرهابية، نحن على استعداد لمنع التجول في العالم العربي كله من أجل منع لحظة ألم لأي مواطن من مواطنينا.

-وآلامنا نحن؟!

-لا حساب لها في أمننا، أتدرك هذا؟!

" بعد أربعة عشر يومًا من العيش تحت الأنقاض، وبعد أن أصبحنا قطعًا من الخردة البشرية في مهب ريح سموم النقب، طلبني مدير السجن.

ذهبت أنا وسيم بعد أن هربت مني وسامتي، ابتسم ابتسامة ذئب مفترس قد انتهى للتو من التهام فريسته، قال بخبث شديد:

-مبارك، انتهت أيام العقاب.

عليكم أولًا إعادة بناء الخيام، سأزودكم بكل المستلزمات، سيأتونكم بعد ثلاثة أيام ضيوف جدد من السجون، أعندك طلبات أخرى؟

-البلاطات الكهربائية، والتلفاز، والمراوح.

-حسنًا، بعد انتهائكم من البناء سيأتيكم كل شيء، ألم أقل لك إن العقاب قد انتهى؟

"مضت ثلاثة أيام والأربعة عشر يعملون ليل نهار، صبيحة اليوم الثالث لا يصدق أحد أن الأنقاض والهياكل الخشبية والأقمشة الممزقة قد عادت إلى سابق عهدها.

صبيحة اليوم الرابع بعد أن تنفس الأربعة عشر الصعداء، جاءهم الخبر، وقف غرابهم ينعق: "منقولون إلى سجن شطة (من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال)، معكم خمس دقائق".

دخلت قوات "البوسطة" مدججة بأسلحتها وأحقادها، إنهم يبحثون عن فرصة لإشباع ساديتهم، لا تعطوهم هذه الفرصة، قلنا معًا: "نحن جاهزون للنقل".

وأسدل الستار على نهاية مأسوية لقاطني هذا القسم كي تبدأ لكل منهم قصة جديدة في السجن الذي نقل إليه، الكائنات المتوحشة في السجون المستقبلة تجيد ترجمة هذه التقارير بصورة جيدة، بداية الطريق وجبة استقبال شهية لهذه الكائنات السادية التي تنتظر فرصتها للتعبير عن مواهبها المفضلة.

كلمات مفتاحية