-

القضية الفلسطينية وحسابات روسيا تجاه إسرائيل

د. عبد الستار قاسم

محلل سياسي فلسطيني

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [342]

أسس الاقتتال في غزة ‏...

‏ فلسطين في حسابات «القاعدة»‏

المتحاورون الفلسطينيون كاذبون

الخروج من المأزق الفلسطيني

الخزي الأكبر

بداية لا بد من التأكيد على أنه لا حل للقضية الفلسطينية ما دام الفلسطينيون يبحثون عن حل لقضيتهم في جيوب الآخرين، فالقضايا الدولية والكبيرة لا تتم حلولها بالوكالة أو الإنابة، وإنما يمكن للآخرين أن يمدوا يد العون بتوفير تسهيلات دبلوماسية ولوجستية.

وليس أمام الفلسطينيين إذا أرادوا استعادة بعض حقوقهم الوطنية الثابتة إلا أن يعتمدوا على أنفسهم، أي مراكمة القوة لكي يكونوا رادعين لأعدائهم. هذا ليس بالأمر السهل، لكن طريقه أقصر بكثير من طريق الاعتماد على الآخرين.

ثوابت روسيا
يتطلع بعض الفلسطينيين إلى روسيا للعب دور في إعادة بعض الحقوق إلى أصحابها بالضغط على الكيان الصهيوني، وهو تطلع لا يختلف عن تطلع دول عربية عدة إلى الاتحاد السوفياتي كمنقذ من براثن الصهاينة؛ لكن الاتحاد السوفييتي لم يفعل، وروسيا أيضا لن تفعل. 

المتتبع للسياسة الروسية تجاه القضية الفلسطينية يجد أنه ليست لروسيا رؤية مستقلة أو خطة لإقامة سلام في المنطقة العربية الإسلامية عبر حل القضية الفلسطينية، ولا توجد طروحات روسية مستقلة عن الطروحات الأميركية والصهيونية، ولا تتوفر رؤية روسية بشأن الحقوق الفلسطينية التي تجب إعادتها للفلسطينيين.


ورغم الملابسات الكثيرة والخطيرة التي أحاطت بقيام الكيان الصهيوني، والضغوط الهائلة التي مارستها أميركا على دول عديدة لتصوت لقرار تقسيم فلسطين، ورغم تهجيرالفلسطينيين على إثر مجازر دموية وحشية اقترفها الصهاينة؛ فإن روسيا لم تحرك ساكنا في أمر إقامة إسرائيلواقتراف جرائم حرب ضد الفلسطينيين، والبحث في مشروعية تقسيم بلاد على حساب أهلها... إلخ.

وعلى شاكلة الدول الأوروبية وخاصة الغربية منها؛ تعترف روسيا بالكيان الصهيوني وتقبل به عضوا في الأمم المتحدة رغم أن الصهاينة لم يحترموا تعهداتهم أمام المنظمة الدولية، بإعادة الفلسطينيين المهجرين إلى بيوتهم وممتلكاتهم التي طُردوا منها.

وروسيا تنظر إلى الكيان الصهيوني بوصفه دولة ذات سيادة ولها حق الاحترام وفق القوانين الدولية. قد يقول أحدهم إن العرب وبعض الفلسطينيين يعترفون بالكيان الصهيوني، وعلينا ألا نطلب من الروس القيام بما لا نقوم به نحن.

هذا صحيح، وأنا لا أطلب ذلك من الروس، وإنما هناك أعمال ومهام مطلوبة من الدول العظمى لإقامة العدالة في هذا العالم، وروسيا دولة عظمى تدرك تماما أن غياب العدالة يعني غياب السلام والأمن على المستوى العالمي.

فهل تدرك روسيا أن الظلم الشديد قد وقع على الشعب الفلسطيني بسبب هذا الكيان الصهيوني الغاصب؟ وهل تدرك أن الحروب لم تتوقف في المنطقة العربية الإسلامية منذ أن قام الكيان الصهيوني، وليس من المتوقع أن تتوقف رغم حجم التنازلات العربية؟

التفوق الصهيوني
يؤكد أهل الغرب دائما -وعلى رأسهم الدول الاستعمارية البارزة: فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة- ضرورة بقاء الصهاينة أصحاب اليد العليا عسكريا في المنطقة. وهم يؤكدون أنه يجب أن تتوفر للصهاينة قوة عسكرية كافية للتفوق على قوة العرب مجتمعين ومنفردين، وأن هذه القوة يجب أن تكون رادعة فلا يجرؤ العرب على مهاجمة الكيان.

وفعلا بقي الكيان الصهيوني يتلقى أحدث الأسلحة الغربية وأكثرها تفوقا وخاصة من الولايات المتحدة، ولذا بقي سلاح الجو الصهيوني متفوقا، وتم تمكين الصهاينة من تطوير القنابل النووية والصواريخ الحاملة لها.

حاول العرب إبان الاتحاد السوفياتي أن يحصلوا على أسلحة سوفياتية متطورة لقلب المعادلة العسكرية القائمة في المنطقة، لكن الاتحاد السوفياتي لم يكن يتماشى مع ذلك، وحتى إنه لم يكن يزود العرب بأسلحة دفاعية فعالة إلا بعد جهد جهيد.


هكذا كان الأمر مثلا بالنسبة لصواريخ سام المضادة للطائرات. لقد كانت الطائرات الحربية الصهيونية تصول وتجول في الأجواء العربية دون رادع، ولم يزوّد العرب بالصواريخ القاتلة للطائرات إلا في بدايات سبعينيات القرن الماضي.

الأمر لا يختلف بالنسبة لروسيا؛ فهي تمتنع عن تقديم الدعم للمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية. وتمتنع عن تقديم الأسلحة الضرورية لدول عربية من أجل كسر التوازن القائم حاليا والمائل لصالح الصهاينة؛ بل إن تعريف التوازن في المنطقة غريب من نوعه، وهو يعني المحافظة على التفوق العسكري الصهيوني.

وهذا التفوق هو ضمانة الصهاينة للبقاء في المنطقة كدولة؛ فكم من مرة حاولت سوريا الحصول على أسلحة تكسر الهيمنة الصهيونية الجوية على المنطقة، لكن روسيا أحجمت عن تقديم الدعم اللازم.

وهذا صحيح بالنسبة لصواريخ "أس 300" و"أس 400"؛ فهناك الآن حديث عن نية روسيا تسليم هذه الصواريخ لسوريا، وقادة الكيان يستمرون في لقاءاتهم مع المسؤولين الروس لثنيهم عن الأمر. سلم الروس هذه الصواريخ لإيران، لكنّ هناك شكا كبيرا في تسليمها إلى سوريا.

روسيا تؤيد المحافظة على أمن الكيان الصهيوني، ولا تؤيد محاولات المس بأمنه بغض النظر عن الجهة التي يمكن أن تهدده. وما دامت روسيا تحرص على التفوق العسكري الصهيوني فهي بالتأكيد تحرص على أمن الصهاينة، لكن دون المحافظة على أمن الفلسطينيين وغيرهم من العرب.

إنها لا تدعو إلى ملاحقة الفلسطينيين وتعريض أمنهم للخطر، وهي لا يزعجها كثيرا احتلال الصهاينة للأرض العربية رغم أنه تهديد لأمن العرب وللاستقرار العالمي.

إنها تتعايش مع هذا الاحتلال رغم أنها ترى فيه انتهاكا للقوانين الدولية، وانتقاصا لسيادة الدول التي فقدت جزءا من أرضها، وانتهاكا للحقوق الفلسطينية. إن رفض روسيا للاحتلال لا يتوازن مع دعم الولايات المتحدة للاحتلال.

غياب الرؤية
لا يبدو أن روسيا تقف مع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، فهي لا تنشط في الهيئات الدولية لتثبيت هذا الحق. إنها تنشط بشأن عودة اللاجئين من مختلف دول العالم، لكنها لم تطور موقفا يتبنى هذا الحق الذي تكفله كل القوانين الدولية، ويكفله ميثاق الأمم المتحدة.

من الواضح أن موسكوترى في حق العودة للفلسطينيين انتهاكا للسيادة الصهيونية، وتعديا على وجود إسرائيل. إن عودة اللاجئين الفلسطينيين تشكل إخلالا بالتوازن السكاني للكيان الصهيوني، وهذا يشكل تهديدا لوجود هذا الكيان. أي أن روسيا في هذه المسألة تهرب من منطق العدالة لصالح التوازنات والمصالح السياسية.


أما بالنسبة لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني فإن روسيا تؤيده إلى الحد الذي لا يمس وجود الكيان الصهيوني؛ فهي ترى أن للفلسطينيين حقا في تقرير المصير كباقي شعوب الأرض، وترى ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة بشرط ألا يهدد هذا الحق بقاء الكيان بالمنطقة العربية، وبشرط الاتفاق معه. ولهذا لم تعارض روسيا اتفاق أوسلو الذي أخل كثيرا بالقوانين والشرائع الدولية.

روسيا لا تملك رؤية لحل القضية الفلسطينية، وهي غالبا تؤيد الطرح الأميركي للتسوية وتدعم حل الدولتين، ولا تتناقض مع مسار التفاوض بين الصهاينة والفلسطينيين. ولم تعمل على تطوير مقاربة خاصة بها تضغط على الكيان الصهيوني ليحترم القوانين الدولية المتعلقة باحتلال أراضي الغير أو بانتهاك حقوق الإنسان، والكف عن اقتراف جرائم حرب.

أميركا تبادر عادة لعقد لقاءات مع الأطراف المختلفة، وتطرح أفكارا جديدة باستمرار من أجل الالتفاف على الحقوق الفلسطينية، لكن روسيا تبقى تراقب من بعيد ولا تعارض الأفكار الأميركية.

وفي المجمل؛ تطورت المقاومة العربية في غزة وجنوب لبنان، وأخذ المقاومون يدركون أهمية الاعتماد على الذات، وأن الحق لا ينتزعه إلا أصحابه. إنهم ليسوا ضد معونات تأتي من الآخرين، لكن لم تعد لديهم طاقة لوضع مصيرهم ومصير شعوبهم بأيدي غيرهم؛ إنهم بالتأكيد يرحبون بدعم روسي لمقارباتهم وتطلعاتهم، لكنهم لن ينتظروه.

كلمات مفتاحية