-

عن المقاومة الجادّة.. خيط الدم من كوالالمبور إلى غزّة

ساري عرابي

كاتب وباحث مهتم بــ الفكر الإسلامي

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [49]

مؤتمر فتح السابع.. مقدمات ونهايات

إنها ليست لعبة كرة قدم!

حماس بعد 29 عاما.. المسيرة والاستحقاقات

ما بين فتح وحماس أكثر من الخصومة السياسية

نقل السفارة.. الجدية الأميركية والمسؤولية الفلسطينية

حدثان أمنيان مهمّان استهدفا حركة حماس في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، على رقعة ممتدة في هذا العالم. الأول في كوالالمبور العاصمة الماليزية، حيث اغتيل المهندس الفلسطيني فادي البطش الحاصل على شهادة الدكتوراة في الهندسة الكهربائية، والثاني في قطاع غزّة، الذي استشهد فيه ستة من كوادر كتائب القسام أثناء عملهم على تفكيك منظومة تجسس إسرائيلية، أعدها الاحتلال الإسرائيلي لاستهداف الفلسطينيين في قطاع غزّة في العقد الأخير، بحسب بيان كتائب القسام، والذي أفاد أيضا بأن هذه المنظومة كانت تتضمن نظاما مفخّخا يقوم بتفجير آليّ حين محاولة تفكيك المنظومة.

الشهيد فادي البطش تبنته حماس في بيان رسمي، وأبّنه عدد من قادتها الكبار، بيد أن كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، لم تؤكد التسريبات الكثيرة التي تحدثت عن دور للشهيد في تطوير منظومة حماس العسكرية، لا سيما الطائرات المسيّرة والصواريخ محليّة الصنع.

يبدو مفهوما تحفظ كتائب القسّام، ففي حال كان الشهيد أحد مهندسيها ومطوّري تقنياتها العسكرية؛ فإنّها - بالتأكيد - لا ترغب في إحراج الحركة وتوتير علاقاتها الدبلوماسية، في ظل الحصار المفروض على الحركة. وعلى كل حال، فدور الشهيد، إن صحت التسريبات، دور أمني عسكري، يخضع لضرورات السرّية، حتى بعد استشهاده، بحسب المصلحة الراجحة التي يقدّرها تنظيمه.

هذا لا ينفي الطبيعة الإجرامية عن الاحتلال، الذي استهدف طوال صراعه مع الفلسطينيين؛ العديد من الشخصيات غير المنغمسة في العمل العسكري، إلا أن التسريبات التي تتحدث عن دور تقني للشهيد تبدو محتملة جدّا، بالإضافة للتسريبات التي تتحدث عن سلسلة أمنية وصلت للشهيد، بدأت من العراق الذي اعتقلت حكومته عالما عراقيّا كان يعيش في الفلبين ثم جرى ترحيله إلى تركيا؛ التي رحّلته بدورها إلى العراق. وكانت الحكومة الفلبينية قد قالت إنّه ينتمي لحركة حماس. أمّا الحلقة الثانية فكانت في مصر التي اعتقلت - كما تقول بعض التسريبات - أحد زملاء الشهيد البطش أثناء عودته من ماليزيا إلى غزّة.

يمكن أن نتحدث عن ثلاثة عناصر مركبة في هذا المشهد الأمني:

الأول، جدّية مقاومة حركة حماس، رغم كل النقد الذي يُمكن أن يوجّه لها في إدارتها السياسية، أو في خياراتها التي قد تُعدّ أخطاء استراتيجية تمسّ بفعاليتها المقاومة. هذه الحوادث، والتي لم تكن الأولى من طبيعتها، فالجميع ما يزال يذكر الشهيد التونسي العامل في كتائب القسام محمد الزواري.. هذه الحوادث تؤكد أن حماس لا تستخدم المقاومة غطاء سياسيّا، ولا في سياق الدعاية أو الخصومة السياسية، وإنّما هي جادّة جدّا فيما تفعل، الأمر الذي يبعث على احترام الحركة من هذه الجهة، في ظلّ حالة من التردي الوطني الداخلي، والاهتراء العربي المحيط.

الثاني، أن الاحتلال يتعامل بدوره بجدّية بالغة مع مقاومة حماس، بالشكل الذي لاحظناه، رغم أن هذه المقاومة محاصرة، وتفتقر للإمكانات المكافئة. وكما أنّه يشتغل باستمرار على تغطية قطاع غزّة استخباراتيّا، فإنّه يشتغل على الوصول لأي كادر فلسطيني أو عربي، في أي بقعة من الأرض، يغذّي حركة حماس بالتقنيات أو بالسلاح. وبالنظر إلى التعقيد الذي يحفّ هذا النمط من العمل الاستخباراتي، أي عمليات الاغتيال في البلاد الأخرى، فإنّه غالبا يستهدف بالفعل شخصيات ذات دوري مهم في تسليح حماس. وعلى أيّ حال، لا يبدو أن الاحتلال يتعامل بالجدّية نفسها، مع أي فاعل فلسطيني آخر.

الثالث، بينما تسعى حماس لتجنيد ما أمكن من الكفاءات لدعم تقنياتها العسكرية، وتحاول كسر الحصار الإقليمي المضروب عليها في هذ المجال، فتتمدد خيوطها حيثما أمكن في العالم، ومع من أمكن من الكوادر العربية، فإنّ الاحتلال يفعل الشيء نفسه بالذهاب إلى حيثما اتجهت حماس، فنجده يغتال كوادرها في دمشق ودبي وبيروت وتونس وكوالالمبور وغزّة، ويقصف ما كان يقال عنها إنّها مصانع لها في السودان، إلا أنّ المعادلة بالتأكيد - من ناحية المعطيات في الواقع - تميل لصالح العدو. ففي حين لا يخفى أن النظام المصري الراهن يتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي أمنيّا واستخباراتيّا، كما هو معلوم بالضرورة، فإنّ دولا كتركيا والعراق لم تحتمل وجود عالم عراقيّ يقدّم لحماس الدعم التقني في صناعتها العسكرية، وهذه الدول كلّها مرتبطة بمنظومة أمنية محورها الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني استفادة "إسرائيل" في النهاية.

هذه المقاومة لا تنهض في وجه "إسرائيل" وحدها، لكنها - ومع الأسف - تجد نفسها مضطرة لمواجهة حصار العالم كلّه لها. وعلى أيّ حال، وبصرف النظر عن أي نقاش حول جدوى أو فاعلية المقاومة المسلحة، أو أزماتها الراهنة، فإنّ ما يربك الاحتلال فعلا هو وجود قوى تصارعه بجدّية حقيقية مهما اختلّت موازين القوى، وبمثابرة عالية لا تفتر، ولا تعجز ولا تيأس أمام المعيقات الضخمة التي تبدو معجزة حقّا. وما نحتاجه اليوم هو النظر بالجدية نفسها لهذه المقاومة، والعمل بالجدّية نفسها في المجالات كلّها.

كلمات مفتاحية