"اليوم الفاتح من مايو/ أيار 2022 يقتحم الحدود آلاف من الفلسطينيين حاجز بيت حانون ويتقدمون نحو مدينة عسقلان ويبلغ أحد حراس الحاجز القيادة الإسرائيلية بما يرى ويقول إنه حتى لو فرغ ما بحوزته من رصاص فإن الموجات البشرية الفلسطينية ستتقدم وتدوسه هو وزملاؤه. كما يبلغ القيادة أن الجماهير الفلسطينية المتدفقة من غزة نحو الأرض المحتلة عام 1948 احتجزت سيارة تابعة لجهاز المخابرات العامة (الشاباك) وداخلها ثلاثة من رجالاتها" ما سبق عبارة عن اقتباس من كتاب القرش الصادر عام 2014 لصاحبه الروائي والأديب الصهيوني الون بن دافيد ويحاكي فيه الكابوس الذي يخشاه الاحتلال منذ نشأته قبل سبعين عامًا وهو تدفق الجماهير الفلسطينية نحو أراضيها التي طردت منها إبان النكبة وهو وضع تاريخ افتراضي في مايو 2022 والآن يعود الكتاب والإعلاميون في دولة الاحتلال للتحذير من هذا السيناريو الكابوس مع اقتراب ذكرى يوم الأرض ومسيرة العودة الكبرى، مما يعكس مدى تخوف الاحتلال من مسيرة العودة الكبرى واستعداداته الكبيرة لها ومحاولاته المتواصلة التشويش عليها بالترهيب والتخويف وحتى إرسال وسطاء دوليين كي يتراجع المنظمون عن عزمهم إطلاق المسيرة بدءًا من 30 مارس المقبل.

ماذا يعني قلق الاحتلال من دعوات مسيرة العودة؟ هذا القلق وهذه التخوفات والتحذيرات والاستعدادات لا تعني إلا شيئًا واحدًا وهو مدى القوة الكامنة الذي تتمتع به الجماهير الغفيرة التي تستطيع بصدروها العارية الحد من استخدام الأسلحة الفتاكة التي يتفوق بها العدو وأن تضع الاحتلال وجيشه في حرج وارتباك في كيفية التعامل مع الجماهير المحتشدة على تخوم أرضها وديارها، هذه القوة الشعبية هي التي مكنت المقدسيين من الانتصار في معركة بوابات الحرم واجبرت دولة الاحتلال للرضوخ لمطالب الجماهير ولم تتجرأ على استخدام آلة بطشها في مواجهة اعتصام سلمي حاشد، وهي نفس القوة التي أفشلت قرار إبعاد أكثر من 400 فلسطيني لمرج الزهور بجنوب لبنان في ديسمبر 1993 وعادوا بعد أقل من عام اعتصموا خلاله في خيام وافترشوا الأرض والتحفوا بالسماء في مخيم تحفه المخاطر من كل جانب ...

 إن الشعب الفلسطيني مارس أدوات كفاحية متعددة وراكم تجارب نضالية مختلفة واجه فيها احتلالًا استيطانيًا إحلاليًا يتمتع بقوة عسكرية توصف بأنها الأكبر في المنطقة ويحظى بتحالف دولي وعلاقات فريدة مع القوة العظمى الولايات المتحدة الأمريكية وهو رغم كل ممارساته القمعية يدعي أنه جيش أخلاقي يحترم القانون الدولي ويحاول خداع العالم بأنه ضحية تعيش وسط بيئة معادية تريد استئصاله والقضاء عليه، وتأتي مسيرة العودة الكبرى لتفضح زيف وكذب دولة الاحتلال وتضعه أمام اختبار صعب في مواجهة شعب أعزل، من هنا تأتي قوة المسيرة وخشية الاحتلال منها لأنها ستكشف عورته وتفضح روايته المزيفة فيزداد عزلة حتى تنزع عنه الشرعية. لقد حققت حركات المقاطعة الدولية نجاحات مهمة على طريق عزل الاحتلال ونزع الشرعية عنه مما شكل إزعاجًا واضحًا لحكومة الاحتلال التي صنفت حركات المقاطعة بالتهديد الإستراتيجي ورصدت أموالًا طائلة لمحاربتها وسخرت كل أدواتها الإعلامية والدبلوماسية لمواجهتها... وتلتقي فكرة ومضمون مسيرات العودة مع المبادئ التي تستند لها حركة المقاطعة الدولية...

إن الحراك الشعبي السلمي هو بمثابة القوة الناعمة التي تستند للحق والقانون في مواجهة القوة الغاشمة التي تستند للظلم والغطرسة...هذه المعادلة هي سر قوة شعبنا الفلسطيني وهي سر ضعف دولة الاحتلال... ولن يعدم شعبنا الوسيلة حتى ينتصر الحق على الباطل ويفوز العدل على الظلم مهما طال الزمن أو قصر.