-

إيران .. حرامٌ على حماس و حلالٌ على غيرِها

عبد السلام فايز

شاعر وإعلامي فلسطيني - هولندا

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [17]

من القلب شكراً يا ترمب

القدس و الرياض هما قُطبا أمّتنا

اللغة العربية بين أبناء الجاليات العربية في أوروبا .. مصيرٌ مجهول

ما وراء خطاب محمود عبّاس بشأن القدس

أبناء غزة في أوروبا .. على موعدٍ مع حظوظٍ سيّئة

عبد السلام فايز

غصّت منصّات الرأي العام ، و وسائل التواصل الاجتماعي بالنقد اللاذع و التحليلات و النقاشات حول ما تضمّنه تصريحٌ حديثُ العهد ، منسوب إلى رئيس حركة المقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة يحيى السنوار ، و الذي امتدح فيه قائد فيلق القدس الإيراني اللواء قاسم سليماني ، واصفاً إياه بأنّه مُحِبّ لفلسطين منذ زمنٍ بعيد ، و مستعدّ لتقديم العون العسكري المباشر لإنقاذ مدينة القدس من مخططات التهويد ..


ما إنْ لفظَ السنوار هذه الكلمات ، حتى شنّت حملة واسعة النطاق عليه ، حتى من داخل حركة حماس ذاتها ، و من قبل أشخاص محسوبين و مناصرين لحركة حماس ، و وصل الأمر إلى إدراجه على لائحة الخارجين من الملّة ..


لم تكن تصريحات السنوار هي الحلقة الوحيدة في مسلسل التقارب بين الجانبين ، بل سبقها نماذج عديدة و متنوعة تظهر حجم التقارب بين حركة حماس و إيران ، كان آخرها الزيارة التي قام بها وفد حماس إلى العاصمة الإيرانية طهران ، برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري ، و لقاءه بشخصيات إيرانية رفيعة المستوى ، و المقابلات الصحفية المتعددة التي أجرتها وسائل الإعلام معه ، من أجل تسليط الضوء على هذه الزيارة التي أثارت تساؤلات عديدة ..


نعم ، ربما كانت تصريحات يحيى السنوار قد أخطأت التوقيت ، أو ليست في زمانها الصحيح ، و ذلك بعد دخول المنطقة في أتّون النزاع الشيعي السنّي ، و وصول هذا النزاع إلى درجة الغليان الشديد ، إثرَ تدخّل قاسم سليماني بشكل مباشر في الحرب السورية ، و توجيه أصابع الاتهام له بالضلوع في جرائم حرب في سورية و العراق و اليمن ، و ذلك بعد ظهوره الشخصي في عدة مناطق منها ..


لكنّ السؤال المطروح الذي لم يجد أصحابه جواباً حتى اللحظة هو : لماذا حرامٌ على يحيى السنوار و حركة حماس امتداح شخصية إيرانية ، و مدّ جسور التقارب بين حماس و إيران ، بينما يحلّ لدول إقليمية كبرى في المنطقة أن تقيم أفضل العلاقات مع طهران على كافة الصّعُد ، لا سيما على الصعيد السياسي و العسكري و الاقتصادي ؟ ألم يكن هناك سبّاقون كُثر ليحيى السنوار ، في تقاربهم مع إيران ، لكنهم لم يواجهوا النقد ذاته ؟ ألم يُقْسِم وزير الدولة القطري سلطان المريخي بالله ، أنّ إيران دولة شريفة ، و أنّه من حقّ بلاده إقامة أطيب العلاقات معها في ظل الحصار المفروض على قطر من قبل أشقّائها الخليجيين ؟


أيّهما أشد فتكاً ، حصار قطر  كدولة ، أم حصار غزة كقطاع ؟

و لو تتبّعنا آثار التقارب القطري الإيراني لوجدنا أنّ الأوضاع تسير على مايُرام بين البلدين ، و ذلك بعد أن بلغت قيمة الصادرات الإيرانية إلى دولة قطر 140 مليون دولار خلال سبعة أشهر فقط ، و بعد أن أعلنت كبرى الشركات الإيرانية عزمها دخول السوق القطرية ، ما يبشّر بدخول العلاقات القطرية الإيرانية مرحلة الازدهار و الرقيّ الواضح .


و ليست قطر هي الدولة الإقليمية الوحيدة في المنطقة التي تقيم علاقات طيّبة مع إيران ، بل إنّ تركيا أيضاً تُعتبَر  من الدول التي لها مع إيران قنوات اتصال سياسي و اقتصادي ، بالإضافة إلى حجم التبادل التجاري بين البلدين و الذي يزيد شهرياً بنسبة 30% حسب قول وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي ، و هناك مساعٍ تركيّة لمضاعفة حجم هذا التبادل ثلاث مرات ، أضف إلى ذلك الزيارات المتبادلة التي يقوم بها مسؤولو البلدين على مستوى رفيع ، بل إننا نزيد من الشعر بيتاً لنقول أنّ هناك تعاوناً عسكرياً واضح المعالم بين إيران و تركيا في العراق ، ضد بعض التنظيمات الكردية التي تهدد أمن البلدين الجارين ، و قد سمعنا مؤخراً تصريحات لمسؤولين أتراك أكدوا أنّ إيران دولة إقليمية لها وجودها ولا بد من التعاون معها ، فإذا كانت تركيا و هي دولة عظمى في المنطقة ، لم تنكر الوجود الإيراني ولم تستغنِ عن الدور الإيراني ، فلماذا يُطلب من حركة حماس أن تتخلى عن إيران و أن تعاديها و أن تظهر لها الكره و البغض ، في حين أن حركة حماس كانت على علاقة متوترة مع طهران في فترة من فترات ، مع دخول الحرب السورية مرحلة السلاح الثقيل ، فكان موقف حماس واضحاً رافضاً لاستمرار تدفق شلال الدم السوري ، و تقاربت مع بعض الأشقاء الخليجيين ، و حاولت الاستغناء عن طهران ، لكنّ هاتيك الدول لم تكن على قدر الظرف الحمساوي العصيب الذي تحمّل عبئاً ثقيلاً ، بعد اشتداد الحصار المفروض على قطاع غزة ، و تعالي الأصوات المطالبة برفعه مهما كان الثمن المترتب على حماس ، و بعد تصنيف حركة حماس على أنها منظمة إرهابية و ليست حركة مقاومة إسلامية .. و بالتالي لابد لحماس و غير حماس ، أن تحذو حذو الدول الإقليمية التي تقاربت مع طهران تقارباً ملحوظاً ، دون إنكار الدور السلبي الذي تلعبه طهران في المنطقة ، فكانت سياسة حماس بأننا نتفق مع طهران في عدد من الملفات و نختلف معها في ملفات أخرى كذلك ، حالنا هو حال كبرى الدول المساندة للمعارضة السورية المسلحة تركيا و قطر ..


و لذلك على أحرار العالم أن يكونوا مُنصفين إلى حدّ بعيد في مطالبتهم قطع العلاقات مع إيران ، إمّا أنْ تُصوَّب الحناجر المطالبة بذلك نحو الجميع دون تحيّز أو مراوغة ، و إمّا أن نترك حركة حماس تصنع علاقاتها مع من تريد ، بما يناسب مصلحتها الشخصية ، كأيّةِ دولةٍ من هذه الدول ..

كلمات مفتاحية