-

القدس و الرياض هما قُطبا أمّتنا

عبد السلام فايز

شاعر وإعلامي فلسطيني - هولندا

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [7]

من القلب شكراً يا ترمب

إيران .. حرامٌ على حماس و حلالٌ على غيرِها

اللغة العربية بين أبناء الجاليات العربية في أوروبا .. مصيرٌ مجهول

ما وراء خطاب محمود عبّاس بشأن القدس

أبناء غزة في أوروبا .. على موعدٍ مع حظوظٍ سيّئة

عبد السلام فايز

عباراتٌ ما أنزل الله بها من سلطان ، لا غايةَ لها سوى إقحام المنطقة نحو مزيدٍ من التفرقة و التشرذم ، و كأننا عُدنا حَمَلةً لراياتِ البَسوس و داحس والغبراء ، أو عُدنا دعاةً لحرب الفجَار الجديدة ، أو ربّما جُرنا على أنفسنا و ضمائرنا كي نستعيد رائحة عِطر مَنْشَم ، الذي كانت نساء الجاهليّة تتقاذفُه في الطرقات ، عند اشتعال الفتن و الحروب ، إيذاناً منهنّ لبدء الصراع و التفاني في الاقتتال ..

كنا نقرأ عن أدب الثأر في الجاهليّة حينما خِلْناه ماضياً لا عودةَ له على الإطلاق ، و إذ به  يغدو أدباً حديثاً معاصراً ، نَقتاتهُ في قرطاس اليوم الذي بُلّ بدماءِ الإخوة بعضهم بعضاً ، كيف لا و كلمات الشاعر الجاهلي أبي أذينة اللخمي في دعوته أبناء عمومه إلى الثأر و متابعة الاقتتال ، تدوّي في أزقّتنا من جديد و لم تندثر بعد ، أو كأنها استعادت عافيتها بفضل ألسنة البعض الذين حشدوا و حشّدوا ، و ضلّوا و أضلّوا عندما تنادَوا إلى الثأر ، لسانُ حالِهم تماماً كلسانِ حالِ الشاعر الجاهلي أبي أذينة الذي راح ينادي في قبيلته طالباً للثأر من قبيلةٍ أخرى كان أفرادها قد استقووا عليهم فيما مضى ، فراح أبو أذينة ينادي في القوم محرّضاً  :

وليس يظلمهم مَن راح يضربهـــــــم

بِحَدّ سيفٍ بهِ مِن قبلهم ضُرِبــــــــا

قتلتَ عمراً وتستبقي يزيدَ ! لقــــــــد

رأيتَ رأياً يجرّ الويلَ و الحَربـــَــا

لا تقطعَنْ ذنبَ الأفعى و تُرسِلهــــــــا

إنْ كُنتَ شهماً فَأَتبِعْ رأسَها الذّنَبـــَـا

هم جرّدوا السيفَ فاجعلهم له جزرا

وأوقدوا النّارَ فاجعلهم لها حطَبـــــا

علامَ تقبلُ منهم فديةً و همُ

لا فضّةً قبلوا منّا و لا ذَهِبا

فأنْ تصل شعوبُنا العربية المسكينة لدرجة التناحر على وسائل التواصل الاجتماعي ، لا يبشّر بالخير على الإطلاق ، فيتفاعل الكثيرون مع هاشتاغ ( الرياض أهم من القدس) ، ثمّ يطلّ علينا شخصٌ تارةً مضطجعاً ، و تارةً متنزّهاً ، و أحياناً ممتشقاً نظّارته ، و أحياناً أخرى سافر العينين ، و كأنه يريد أن يقول لنا إنه مُنعَمٌ و مُترَفٌ و لديه ما يكفيه من الوقت ، ليقذف الشعب الفلسطيني بأسوأ العبارات ، و ينعته بصفاتٍ لا تليقُ بالبشرية ، ثمّ يردّ عليه فلانٌ و فلانٌ من الطرف الآخر ، مستخدماً الشتائم ذاتها ، و اللسان ذاته ، و يمسّ شعبَ الحجاز الطيّب المعطاء  بالسوء و القدح ، ليتحوّل المشهد إلى مسرحيّة هزليّة ، جمهورُها هم أعداؤنا الذين كانوا هم المستفيدين الوحيدين من هذه الإبداعات في الشتائم و العِدَاء ..

أليست إسرائيل هي المستفيد الأوّل من هذا التراشق الكلامي ؟ ألا يعيش الصهاينة اليوم أجمل اللحظات ، بعدما رأوا بأمّ أعينهم ، شعوبَ القِبلتَين يتفانون في اللّعان و الطّعان ؟ ألا يُعتَقد أنّ إسرائيل هي من يقف وراء هذه الأحداث المتسارعة في المنطقة ، و التي لا تصبّ إلّا في مصلحتها و مصلحتها فقط ؟؟

بلى ، إنها الاستراتيجية الصهيونية الجديدة التي تقوم على مبدأ التفتيت ، و تجزيء المجزّأ ، فبعدما كنا نعيش رغد الصراع العربي الإسرائيلي ، أبت إسرائيل إلا أن تحرف بوصلة الصراع عنها ، و صبّت جُلّ إمكاناتها في المنطقة كي تسحب عِدَاءَ الشعوب العربية لها ، من خلال اختلاق أعداء جديدة لهم في المنطقة ، فاختلقت الصراع السنّي الشيعي ، و الصراع العربي العربي ، و اليوم تنجح في خلق الصراع حتى ضمن الطائفة الواحدة .

نعم صحيح ، و كما يقول الهاشتاغ ، فالقدس ليست أهم من الرياض بالنسبة لنا ، و كيف تكون القدس أهمّ من الحجاز و فيها مرقد النبي محمد عليه الصلاة و السلام ، و الصحب الكرام رضي الله عنهم ، و هي مركز الثقل الإسلامي ؟

مخطئٌ من يحتسب أنّ الشعب الفلسطيني يمكن أن يفرّط بالرياض ، حتى لو كان هذا التفريط هو سبيله الوحيد لتحرير فلسطين ، فنحن أبناء لغة الضاد التي تجمعنا ، و زملاء المحراب الواحد ، حتى لو حاول الحكّام شقّ الصف ، و العودة بالشعوب إلى دائرة الاختلاف التي لا ثبات فيها على الحقّ ..

نعم و ألف نعم .. الحجاز و القدس هما قُطبَا أمّتنا ، و كفّتاها اللّتان تتناوبان في مواضع العزّة و الرفعة ، إنِ اضطرّت إحداهما إلى الانخفاض القسري ، علت الأخرى من الجهة المقابلة ليبقى شيءٌ و لو يسيراً في منابر السموّ و الشموخ ، و كيف لأمّتنا أن تنهض بدون الحجاز العزيز ، أو بدون القدس الشريف ؟ فلا كرامة لأمتنا إلا من البوابة المقدسيّة الحجازيّة ، التي ستفتح أبوابها رغم أنوف السلاطين ، كي يتعانق الإخوة بعد خلافٍ مرير ، فالصلح لا يكون صُلباً إلا إذا احتدم الخلاف فيما بين الإخوة ..

لن نسمح لأعدائنا بتمرير هذا المشروع اللعين ، و الذي يهدف إلى دكّ إسفين النزاع بين الأشقاء الفلسطينيين و أهل الحجاز ، بذريعة التطبيع ، و لن يُرضيَنا استمرار هذا التراشق الفظيع ، الذي يهدف إلى سحب البساط الأخير من تحت أقدامنا دون أن نشعر ، لأنّ هذا الخلاف لو استمر ، فربّما تخرج الأمور عن السيطرة ، و تتطور لتشمل رجال الدين ، أو ربما المواجهة المباشرة ، فتجد عندها أنّ إسرائيل بِخُبثها تدعم طرفاً على حساب طرف ، من أجل تأجيج الصراع كعادتِها  ،  و الخروج بصيغةٍ ماكرة ، تخلص إلى تخوين أحد الأطراف بسبب علاقته المباشرة مع إسرائيل ، كي يكون هذا التخوين  حجّةً قوية للطرف الآخر ، للانقضاض على زميله في العقيدة ، و رفيقه في المرام ، بينما تعيش إسرائيل سعادتها الدائمة على حساب الشعوب التي فقدت لواءها و وحدتها ...

كلمات مفتاحية