-

عباس متحدثاً عن سلطة بلا سلطة واحتلال بلا كلفة

ياسر الزعاتره

كاتب ومحلل سياسي

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [1027]

حملة مركز أحرار للتضامن مع النواب الأسرى

الرأسمالية المتوحشة ونهاية حقبة التفرد الأمريكي

عكا في مواجهة عصابات القتلة والمتطرفين

أسئلة حول حركة فتح وخطابها السياسي

الورقة المصرية للحوار.. أي جديد؟!

ياسر الزعاترة

مما ورد في خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس الجيد في قمة اسطنبول ما يلي:

“إن استمرار “إسرائيل” بانتهاكاتها وممارساتها الاستعمارية، وبخاصة في القدس يجعلنا في حلٍّ من الاتفاقيات الموقعة معها، إذ لا يمكننا أن نبقى سلطة من دون سلطة، وتحت احتلال بلا كلفة، وهو ما يدعونا إلى إعادة تقييم الموقف من خلال أطرنا الفلسطينية والمشاورات مع الأشقاء والأصدقاء، من أجل التعامل مع حكومة دولة فلسطين التي ستقوم بمهامها كبديل عن السلطة الوطنية الفلسطينية. نقول للإسرائيليين إنه في حال استمرار الانتهاكات، فإننا غير ملتزمين بأي اتفاق بيننا وبينهم، ومن ضمن ذلك اتفاق أوسلو، وعلى “إسرائيل” أن تتحمل كافة المسؤوليات في الصحة والتعليم والمياه، فهي دولة احتلال”.

كلام رائع، ربما سمعنا شيئا قريبا منه من ذات الرجل في مرات سابقة، لكنه هنا أكثر وضوحا، وهو يذكّرنا بأصل المأساة التي تعيشها القضية الفلسطينية مع هذا “الاختراع العبقري المسمى سلطة فلسطينية”، كما وصفها ذات مرة المحلل الإسرائيلي المعروف “عكيفا الدار”.

السلطة التي أنشأها اتفاق أوسلو وفّرت للصهاينة ما وصفه عدد من محلليهم بـ”احتلالٍ ديلوكس”، أي احتلالٍ “فاخر” يوفر للمحتلين احتلالا دون كلفة؛ لا أمنية ولا سياسية ولا اقتصادية (وصف أحد كبار محلليهم حلّها بـ”السيناريو الكابوس”).

ما تعرف بالإدارة المدنية قبل أوسلو كانت تكلف الاحتلال مليارات من الدولارات للإنفاق على الصحة والتعليم والعسكر والمدنيين الذي يديرون المشهد، فتم التخلص من ذلك، ومعه الوجه السياسي الحقيقي للصراع، في ذات الوقت الذي منحتهم الحماية الأمنية، إذ كان بوسع المقاومين أن يصطادوا عناصر الاحتلال المتواجدين داخل المدن.

في المرحلة الأولى والثانية من أوسلو، خرج الغزاة من مناطق (أ) بحسب تصنيفات أوسلو، وهي المناطق التي شكلت حاضنة للمقاومة حين انتفض الفلسطينيون في واحدة من أروع مراحل نضالهم، في انتفاضة الأقصى. وفي ربيع 2002، أعاد الصهاينة احتلال تلك المناطق فيما يعرف بعملية “السور الواقي”، وبعدها بُني الجدار الأمني الذي التهم حوالي 60 في المئة من الضفة، أي مناطق (ج).

هنا صار “الاحتلال الفاخر” أكثر وضوحا، ومع القيادة الجديدة برزت معادلة التعاون الأمني (سُمي تنسيقا!!)، بجانب المسار الاقتصادي الذي يحرف الوعي الفلسطيني عن حقيقة الاحتلال، وصار بوسع الغزاة أن يدخلوا في أي وقت ويخرجوا بعد أن يعتقلوا من يريدون من دون أن يُصاب منهم أحد؛ لأنهم يدخلون ليلا، وغالبا بقوة مدججة، وأحيانا بحظر تجوّل.

بهذا تخلص الغزاة من الأعباء الأمنية والسياسية والاقتصادية للاحتلال، وكل ذلك بناءً على مقاربة سياسية تقول إن ذلك سيؤدي إلى الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على الأراضي المحتلة عام 67، بما فيها القدس الشرقية، لكن 13 عاما بعد هذا الترتيب لم تسفر سوى عن مزيد من الاستيطان والتهويد، وكل التنازلات التي قدمت في المفاوضات مع أولمرت لم تشبع شهية الاحتلال، وها إن قرار ترامب، وقبله تصاعد غطرسة نتنياهو وارتفاع سقفه السياسي يؤكد أن لا أمل في تحقيق شيء من خلال هذا المسار.

هذه خلاصة ما قاله الرئيس الفلسطيني في اسطنبول، ولكن من دون التفصيل أعلاه، وما ندعو إليه هو ما ذكره في سياق الحديث بقوله: “لا يمكننا أن نبقى سلطة دون سلطة، وتحت احتلال بلا كلفة، وهو ما يدعونا إلى إعادة تقييم الموقف من خلال أطرنا الفلسطينية والمشاورات مع الأشقاء والأصدقاء”.

جميل، ليجلس عباس مع القوى الفلسطينية، ويتوافقوا على آلية جديدة للتعامل مع هذا الوضع، وإذا كان هو ضد المقاومة المسلحة، وضد حلّ السلطة، فليكن ابتداءً، وليتم التوافق على آليات أخرى، عنوانها الاشتباك مع الحواجز الصهيونية، وإعلان مناطق التجمعات الفلسطينية مناطق محررة تحميها الجموع الحاشدة.

هو ذهب أبعد من ذلك في الحديث، ولو اتخذ قرارا ثوريا بإعادة السلطة للاحتلال وتحميله المسؤولية بالكامل، فسيغدو الاحتلال أكثر كلفة بكثير، وليتم ذلك بشعار واضح ومحسوم عنوانه دحر الاحتلال عن الأراضي المحتلة عام 67 من دون قيد أو شرط، وقبل ذلك سحب الاعتراف بالكيان الصهيوني، حتى لا يغدو قيدا على الفلسطينيين في طريقهم لتحرير بقية أرضهم.

هو قرار ثوري جدا، بل ربما كان استشهاديا، ولكن ماذا ننتظر بعد هذه الرحلة الطويلة من التيه؟! إنه السؤال الأكبر الذي يواجه شعبنا في هذه المرحلة.

كلمات مفتاحية