-

عن الأبعاد الدينية التي تقف خلف قرار ترامب

ياسر الزعاتره

كاتب ومحلل سياسي

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [1025]

حملة مركز أحرار للتضامن مع النواب الأسرى

الرأسمالية المتوحشة ونهاية حقبة التفرد الأمريكي

عكا في مواجهة عصابات القتلة والمتطرفين

أسئلة حول حركة فتح وخطابها السياسي

الورقة المصرية للحوار.. أي جديد؟!

ياسر الزعاترة

تحدثنا مرارا في مقالات سابقة عن البعد الأهم الذي يقف خلف قرار ترامب بشأن القدس (إلى جانب دعم الصهاينة أملا في دعمهم بالطبع)، ممثلا في مجاملة ترامب لليمين الديني المسيحي الذي يرى في ذلك قضية دينية بالغة الأهمية، ولا شك أن الأمر يستحق بعض التوقف، ولو من باب المعرفة السياسية والتاريخية.

ولعل السؤال الأبرز في هذا السياق هو: كيف حدث أن التقى اليمين المسيحي في الولايات المتحدة باليهود خلال الألفية الجديدة رغم التناقض الهائل بين الطرفين كما تعكسه أدبياتهم الدينية وتجربتهم التاريخية؟

بدأت الرحلة من الولايات المتحدة، حيث كانت الكنائس المعمدانية الجنوبية (البروتستانتية الإنجيلية طبعا) من أكثر الكنائس “معاداة للسامية” بحسب التصنيف اليهودي، لكنها ما لبثت أن صارت الأقرب للكيان الصهيوني، وذلك بعد هيمنتها على الحزب الجمهوري ونجاحها في حمل جورج بوش الابن إلى الرئاسة في العام 2000.

بحسب تنظيرات تلك الكنائس الدينية؛ على اليهود أن يعودوا جميعا إلى فلسطين، وذلك كي تندلع معركة “هرمجدون” الفاصلة التي تنتهي بقتل بعضهم وتنصّر البعض الآخر، وهذه المعركة برأي تلك الكنائس هي المقدمة الضرورية لعودة المسيح المخلص كما تقول سرديتها الدينية.

اليهود بدورهم كانوا ولا زالوا يقولون بانتهازية عجيبة، إن طروحات تلك الكنائس موغلة في “عداء السامية”، أو عداء اليهود، ولكن لسان حالهم؛ بحسب تعبير كاتبة إسرائيلية يقول: “دعونا نستمتع بدعمها السياسي لدولتنا، وعندما يأتي أوان المعركة المشار إليها، فلكل حادث حديث”.

قبل أيام أكد المعلق البريطاني “كيم سينغوبتا” هذه القصية في مقال له بصحيفة “إندبندنت”، معتبرا أن خوف ترامب من خسارة قاعدته المسيحية المتطرفة، هو الذي وقف خلف قراره بشأن القدس، مشيرا إلى أن هناك الكثير من المسيحيين الإنجيليين الذين يربطون نهاية الزمان بسيطرة اليهود على القدس وصدام حضارات، أي المعركة الأخيرة.

ويشير الكاتب إلى أنه استقبل على حسابه في “تويتر” آخر تغريدة من جماعة (Prayergram)، وهي تصلح للموضوع الذي يريد الحديث عنه “صلاة القدس”، ومن ضمن ما ورد فيها: “بارك الله في دونالد ترامب فهو يعرف المبدأ الحقيقي للنجاح، وليس أن تكون مدركا لما تعمل وتفهم النظرية والجانب العملي، بل أن تكون في الجانب الصحيح من رحمة الرب، ومن يبارك إسرائيل يباركه الرب، ومن يلعن إسرائيل تطاله اللعنة”.

ويصل عدد المؤمنين الإنجيليين في الولايات المتحدة بحسب سينغوبتا 50 مليونا، وهم يؤمنون، بحسب الأبحاث، بالتفسير الحرفي للإنجيل، وكشف استطلاع أن 82% منهم يرون أن الرب منح فلسطين للشعب اليهودي، وهي فكرة لا تلقى رواجا إلا بين 40% من يهود الولايات المتحدة، ومن بين هؤلاء الإنجيليين من يؤمنون بـ(نهاية الزمن)، التي تسبقها سيطرة اليهود على القدس وحروب حضارات وتخيير اليهود بين اعتناق المسيحية أو غضب الله”.

 وينوه الكاتب إلى أن “نقل السفارة الأمريكية لا يحظى بدعم واسع بين الأمريكيين بشكل عام، وكشف استطلاع لمعهد (بروكينغز) عن أن نسبة 31% منهم تدعم القرار”، لكن الإنجلييين يمثلون كتلة الدعم الأهم، وربما الحماية راهنا، لترامب.

 ويرى الكاتب أنه “بالنسبة للإنجيليين، فإن نقل السفارة هو بداية نهاية الزمن، وهو يقول حسب الإنجيلي “بول بيغلي” من إنديانا: “الشعب اليهودي، أنا هنا، أقول لكم ويعتقدون أنه عندما يبنى الهيكل فسيظهر المسيح للشعب اليهودي وسيؤمنون به”.

 ويخلص الكاتب إلى القول بسخرية إن “هناك دائما إمكانية بأن القيامة ليست قريبة، وأن المعركة الأخيرة (هرمجدون) ستؤجل، ولن يعود المسيح، ولن يتحول اليهود إلى المسيحية، أو ينالوا عقاب الرب”.

أما الباحثة الأمريكية في الشؤون الدينية، ديانا باس، فكتبت مقالا في “سي إن أن” تقول فيه إنها عندما سمعت بقرار ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل لم تفكر إلا بأمر واحد، وهو دراستها للكتاب المقدس خلال فترة وجودها في المدرسة الثانوية، مضيفة أن التعبير الأول الذي يتوارد إلى الذهن مع الإعلام هو “القدس؟ لا بد أن نهاية الزمان قد اقتربت!!”.

وتقول الباحثة: “بالنسبة للكثير من الإنجيليين المحافظين، فإن القدس ليست مرتبطة بالسياسة ولا بخطط السلام ولا بالفلسطينيين وحل الدولتين، وإنما تنبع أهميتها من ارتباطها بالنبوءة.. النبوءة في الكتاب المقدس وحلول نهاية الزمن”، مستذكرة ما كان يرويه القس الذي يعلمها الكتاب المقدس حول معركة “هرمجدون” التي ستحصل قبل يوم القيامة وتكون المعركة الأخيرة التي تخوضها البشرية، وستقود اليهود لإعادة الاعتراف بالمسيح على أنه مخلّصهم.

وتحدثت بايس عن أفكار منتشرة بين الإنجيليين حول التحضير للفترة التي تسبق عودة المسيح، مضيفة أن تلك الأفكار مؤثرة في محيط داعمي ترامب الذي حصل على أصوات 81 في المائة من الناخبين الإنجيليين البيض بأمريكا، مضيفة أن بعض كبار القساوسة الذين تربطهم علاقات قوية بترامب عبروا عن رضاهم عن الخطوة بالقول إنها تمثل ركنا أساسيا في تحقيق النبوءات.

وتابعت الكاتبة أن ترامب يريد من خلال الاعتراف بالقدس لإسرائيل تذكير ناخبيه من الإنجيليين أنه “رجل الله الذي يساهم في دفع التاريخ - كما يراه الكتاب المقدس- قدما، ويساهم في حلول نهاية التاريخ”.

تلك هي الحكاية في بعدها الديني، وما يقابلها أن هناك ما يقرب من ملياري مسلم يؤمنون بأن القدس إسلامية، ولن تكون غير ذلك، ولو حدثت من أجلها ألف حرب وحرب، وفي فلسطين شعب لن يسلّم للغزاة بحال؛ ما يعني أن هذه الأرض ليست قابلة للتقسيم أبدا، فهي إما لنا، أو لهم، وستعود لنا عاجلا أو آجلا.

كلمات مفتاحية