-

انتخابات حماس.. التحديات والتوازنات الداخلية

ساري عرابي

كاتب وباحث مهتم بــ الفكر الإسلامي

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [54]

مؤتمر فتح السابع.. مقدمات ونهايات

إنها ليست لعبة كرة قدم!

حماس بعد 29 عاما.. المسيرة والاستحقاقات

ما بين فتح وحماس أكثر من الخصومة السياسية

نقل السفارة.. الجدية الأميركية والمسؤولية الفلسطينية

ساري عرابي

لم تمنع العقبة الفيزيائية حركة حماس من إتمام انتخاباتها التي استكملت بها هيئاتها القيادية المركزية، فقد انضمت قيادتها الغزّية إلى الانتخابات من داخل غزّة متجاوزة منع السفر الذي فرضته الحكومة المصرية، أما الضفة الغربية التي تعاني الحركة فيها ظروفًا أصعب من مثيلتها في غزّة -وإن كانت مسؤولياتها أقل- فانتخبت عبر ممثليها الموجودين خارج الأرض المحتلة.

في النهاية أنجزت حماس استحقاقها الانتخابي، وأعلنت إسماعيل هنيّة رئيسًا لما يُعرف في الإعلام بالمكتب السياسي للحركة خلفًا لرئيسها السابق خالد مشعل، بيد أن هذا الإنجاز -المتجاوز للظروف التي تحاصر الحركة- يستبطن جانبًا مهمًّا من التحديات والمخاطر التي تحيط بها.

تحولات وتوازنات

أيًّا كانت الظروف التي تتلبس انتخابات حماس والإجراءات التي تتبعها الحركة بهذا الصدد؛ فإن انتخاباتها تعكس أوضاعها بما في ذلك توازناتها الداخلية. فقبل عشر سنوات أتمت الحركة -بلائحتها الداخلية- ترسيم بنيتها بما يراعي الوجود الفلسطيني القهري في ثلاثة أقاليم، هي الضفة الغربية وقطاع غزّة والشتات بساحاته المتعددة، ومع التحولات المتسارعة -منذ عام 2006 وحتى الآن- كان لا بدّ من أن يفضي ذلك إلى تحولات أكبر عكستها الانتخابات الأخيرة.

قد تبدو تلك المعالجة التنظيمية للأوضاع التي فصل بها الاحتلال بين الفلسطينيين جغرافيّا وبشريّا ضروريةً من الناحية الإجرائية، ومن ناحية الاستجابة للتوازنات الداخلية المتغيرة، أو أحسن ما هو ممكن، ولكنها بالضرورة لا تتسم بالكمال، وهذا مفهوم، بل وبديهي.

لكن نتائجها على واجب التكامل لدى حركة مقاومة وتحرر -كما هو واقع حالها، وكما تعرّف نفسها أخيرا في وثيقتها السياسية- محل استشكال، وسيعيدنا ذلك إلى جدلية انطلاق حركة التحرر من الأوضاع التي يفرضها الاحتلال في ترتيب بنيتها التنظيمية، بما قد يؤدّي إلى تمركز كل إقليم من أقاليمها حول ذاته، وبما يحول دون قدرته على الإحاطة العامة إن بالحركة أو القضية، في حال كان هو القائد لمجمل الحركة.

من بعد انتهاء انتفاضة الأقصى، واستكمال الاحتلال انسحابه من مستوطنات قطاع غزّة؛ أخذ الثقل التنظيمي لحماس يتركّز في غزّة، ويتحول فيها جهازها العسكري إلى قوة عسكرية منظّمة، وجعل ذلك الموقعَ الغزّي أكثر مواقع حماس الجغرافية حرصا على المشاركة بكامل القوّة في الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة.

وفي المقابل، وإذ أعاد الاحتلال اجتياح مناطق "أ" في الضفة الغربية، فإن حماس فيها كانت قد استنزفت تماما، ولم تكن -للمفارقة وكما هو حال مثيلتها في غزّة- قد استعادت أنفاسها إلا للتوّ، في قلب الحالة الكفاحية التي مثلتها انتفاضة الأقصى وخلصتها من قبضة السلطة.

لكن اختلاف الأوضاع بين الضفة وغزة، صادر من حماس في الضفة الإمكانَ على توفير القدرات العسكرية والتنظيمية التي توفرت لمثيلتها في غزّة، فكان أن انحصرت في قطاع غزّة قدرة حماس على الحفاظ على حكومتها ونتيجة فوزها بالانتخابات التشريعية، بينما دفع تنظيم حماس في الضفة الغربية الثمن الأكبر "للحسم العسكري" في قطاع غزّة.

وعلى فترة طويلة، ظلّت القيادة المركزية للحركة خارج الأرض المحتلة، إلى أن بدأت رسميّا في التوزع على الأقاليم الثلاثة منذ عشر سنوات. ولأنه لا يوجد ترتيب كامل ومثالي لأي نمط من أنماط الاجتماع الإنساني، فإن ذلك الترتيب القديم كان يحول دون القدرة على الفهم الدقيق للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل الضفة الغربية وقطاع غزّة.

ثمة عوامل أيضا أضعفت إقليم الخارج، منها تعدد ساحاته التي تَخلق فيه توازناته الخاصة، والتحولات الإقليمية التي أخرجت قيادة الحركة من سوريا وأضعفت علاقتها بإيران، وانعكاس ذلك على مجمل أوضاع الحركة، والتغيرات التنظيمية داخل إقليم الخارج التي نجمت عن توزيع القيادة المركزية على ثلاثة أقاليم.

باختصار كان لا بدّ -في لحظة ما- من أن تنعكس تلك التحولات، وغيرها من الظروف والأوضاع على قيادة الحركة بما في ذلك رئيسها، وهو ما كان واعيا به رئيسها السابق خالد مشعل منذ نهاية الدورة قبل الماضية، حينما أعلن رغبته في الاستنكاف عن الترشح لرئاسة الحركة، لولا أن الأوضاع الإقليمية حينها أخّرت هذه الرغبة وأبقت مشعل على رأس الحركة في الدورة الأخيرة التي انتهت السبت الماضي (6 مايو/أيار 2017).

ومما ساعد في إنجاز التغيير توفّر شخصية تبشر بإمكانية ملء الفراغ الذي سيتركه مشعل، وهي شخصية إسماعيل هنية الذي مضى في مسار القيادة بقوّة منذ رئاسته لقائمة حركة حماس في الانتخابات التشريعية الماضية عام 2006، ورئاسته الحكومة ورئاسته حركة حماس في قطاع غزّة.

وتلك ميزات توفرت لهنية لم تتوفر لغيره بعدُ، لا من جهة الكفاءة بالضرورة، وإنما من جهة اجتماع الكاريزما والجماهيرية والشهرة والتجربة والنفوذ الداخلي والقبول العام.

في كل ذلك، مرّت حماس بقيادة مشعل -على مدى عشرين عاما- بمحطات مفصلية ضخمة، منها قيام السلطة، وانتفاضة الأقصى، والانتخابات التشريعية، وتشكيل الحكومة، والحسم العسكري، والثورات العربية، والحروب الطاحنة.

يُحسب لحماس أنها استطاعت إدارة توازناتها الداخلية، وإنجاز انتخابات بالغة الحساسية، وتنظيم انتقال سلس في القيادة، بالرغم من كل الظروف المضروبة على الحركة، حصارا ومؤامرات وحروبا.

التحديات الذاتية

ما سبق عرضه عن تحولات الحركة الداخلية وعلاقتها بالأوضاع المحلية والإقليمية والدولية، ينمّ عن حيوية الحركة واستعصائها على الامتلاك، وقدرتها أن تظل فاعلا فلسطينيّا وإقليميّا مهمّا، بدليل الاهتمام البالغ بوثيقتها الجديدة وانتخاباتها الأخيرة.

ورغم ما قيل عن تركّز قوتها التنظيمية في قطاع غزّة فإنه حافظ على قوّة الحركة وجانب من مكتسباتها التي راكمتها بجهادها، ولكننا نحاول أن نرى المسألة من وجوهها كافّة.

طبيعي إذن أن تكشف الانتخابات عن توازنات الحركة الداخلية، ولكن ضروري أن تخدم نتائجُها مصالحَ الحركة ومقدراتها ومكتسباتها، والمصلحة العامة بالتأكيد.

"ظلّت القيادة المركزية لحماس خارج الأرض المحتلة، إلى أن بدأت رسميّا في التوزع على الأقاليم الثلاثة منذ عشر سنوات. ولأنه لا يوجد ترتيب كامل ومثالي لأي نمط من أنماط الاجتماع الإنساني، فإن ذلك الترتيب القديم كان يحول دون القدرة على الفهم الدقيق للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل الضفة الغربية وقطاع غزّة"

ولدينا الآن الواقع الراهن؛ حركة تتركز قوتها التنظيمية (الحديث عن القوة التنظيمية لا الشعبية) في قطاع غزّة، وتملك فيه بنية عسكرية مهمّة، ولكنها محاصرة، ويتعلق بها -أي بوجود حماس في غزة- مجمل حال الحركة العام.

وفي المقابل، ورغم أن الحركة طوّرت كيفيات لضمان تمثيل الضفة الغربية في قيادتها وقرارها، فإن تنظيماتها داخل الضفة (أي على الأرض) لا تملك القدرة على الموازنة الداخلية، أو على استيعاب الضربات الأمنية.

ومهما كانت أوضاع الخارج؛ فإن ميزة حماس منذ تأسيسها أن فاعليتها كانت دائما داخل الأرض المحتلة، وهو ما يطرح السؤال الآن عن قدرة الحركة على حماية نفسها بعدما تركزت قوتها ومقدراتها -بما في ذلك مكان رئيسها الجديد- داخل قطاع غزّة المحاصر والمعرض للحروب في أي وقت، وللمؤامرات دائما.

التحدي الأهمّ إزاء ذلك الآن، أن تحمي حماس قوتها ووجودها في قطاع غزّة، وأن تصطف الحركة كلّها لهذه لغاية، مهما كان الرأي في الأسباب التي آلت بها إلى الحالة التي علقتها كلها بوجودها في غزة. وفي المقابل؛ ينبغي الاشتغال في أداء تكاملي على تعزيز مكانة الحركة في بقية مواقعها الجغرافية، في الضفة الغربية والشتات الفلسطيني.

إن من أوجب واجبات حركة المقاومة أن تقاوم الأوضاع الجغرافية والديموغرافية التي يفرضها الاحتلال، فهذا فعل مقاوم ابتداء على مستوى البناء التنظيمي والوعي الداخلي، ولكنه ضرورة أمن وحماية للشعب والقضية قبل أي شيء، وللحركة نفسها.

ولا يتأتى ذلك إلا بتجنب المحاصّة المناطقية، وتفتيت التمركز الجغرافي حول الذات، ومدّ الآفاق بتفكير جماعي يحيط بمجمل القضية والأحوال التنظيمية، وتعزيز التكاملية في التفكير والتصرف السياسي، وفي العمل التنظيمي.

لا يمكن اختصار حركة بحجم حماس في هيئاتها القيادية. إن الطينة التي ينعجن منها هذا النوع من التجمعات تختلف عمّا عليه تجمعات من نمط الأحزاب السياسية العادية، فالنضال في حالة حماس نضال تحرري من الاستعمار يستهدف كامل جغرافيا فلسطين، ويفترض أن يتوظف فيه الشعب كله، وفي هذا النضال تُبذل الدماء والأعمار والأرواح والأرزاق.

وبالإضافة إلى عامل التضحيات الجسيمة التي يبذلها أبناء الحركة، والذي ينبغي اعتباره دائما في التفكير والتقرير؛ ثمة عامل الدين الذي ينبغي أن يعزز الورع والتعفف لدى القيادة، بما يوجب ابتداع الوسائل التي تمثل أبناء الحركة أحسن تمثيل، وتضمن العدالة قدر الإمكان، إن في التمثيل أو في الاستفادة من الكفاءات، أو في توزيع الموارد والمقدرات.

العديد من قادة الحركة اليوم في كل هيئاتها القيادية ممن خاضوا فعل الجهاد المباشر، ودفعوا من أعمارهم سنوات طويلة في السجون، وخلفهم المئات والآلاف ممن يقاسمونهم الفعل ذاته والتضحية نفسها، وفيهم من لا يقل كفاءة؛ هؤلاء الآلاف يستحقون استفادة أفضل من كفاءاتهم، وقدرة أحسن على تمثيلهم، ولاسيما مع افتقاد الحركة -بحكم الظروف الأمنية- للمؤتمرات العامة، التي ينبغي أن تتولى هي مهمة إصدار الأدبيات التأسيسية وإفراز الهيئات القيادية.

وفي هذا السياق؛ تأتي معضلة الضفة الغربية لتكون ضمن التحديات الأساسية، التي تُختبر فيها قدرة الحركة على التفكير الجماعي، والأداء التكاملي، لاستنهاض الضفة واستعادة دورها، وحل مشكلات كادرها وعناصرها الذين خاضوا أشد محنهم بعد "الحسم العسكري"، وابتداع آليات أفضل لتمثيلهم وتعزيز صمودهم والاستفادة منهم.

التحديات الموضوعية

لا ينفكّ الظرف الإقليمي عن الظرف الذاتي والمحلي، وتتسع التحديات المالية والإقليمية المفتوحة أصلا بسبب الحصار المحيط بقطاع غزّة، والذي يزداد شراسة ويخلّف أوضاعا أكثر بؤسا توجب القلق. كما تتسع هذه التحديات بتراجع قدرات الحركة المالية مع تعاظم مسؤولياتها، والتغير في علاقاتها وصداقاتها، وضرب استثماراتها.

إن من أعظم التحديات التي تفرض نفسها عادة على الحركات المسلحة هي كيفية التخفف من الاعتماد الخارجي، وتعزيز القدرة على الاعتماد الذاتي، بما يضمن الحدّ من دور الدعم الخارجي في القرار الذاتي، وإذا كانت حماس لم تزل تتمتع بقدرة عالية على الحفاظ على قرارها مستقلا، فإنها اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لتطوير قدراتها في الاعتماد على ذاتها.

واتصالا بذلك يكون تعزيز صمود الفلسطينيين في قطاع غزّة والضفة الغربية هو الإجابة الأهم والأقوى على الأسئلة المفروضة على الحركة والتحديات المحيطة بها، وهو أمر يتطلب تغييرا في قدر من المسلكيات التنظيمية والحكومية والقيادية في قطاع غزّة، وتكريسا لمقدرات الحركة وإمكاناتها لهدف تعزيز الصمود، الذي هو -إضافة إلى صيانة الحاضنة الشعبية- كلمة السرّ في ثبات واستمرار ونجاح أي حركة مقاومة.

الإدارة الذكية للعلاقات الإقليمية من العناصر التي ينبغي أن ترتكز إليها الحركة في تعزيز صمود الفلسطينيين، على أساس من وظيفة حماس، وهي وظيفة تقوم على الثغر الفلسطيني أولا وقبل أي شيء، بحيث لا تزيد الظروف الإقليمية وتحولاتها من معاناة الفلسطينيين، وإن كان العمل ينبغي أن يقوم دائما لأجل تحسين ظروف الفلسطينيين سواء في الشتات أو داخل الأرض المحتلة الذي يمثل ثقل حماس وموقع فعلها الأساسي.

التحديات ثقيلة، والمسؤوليات جسيمة، وهي بثقل حماس وحجمها وظروفها، والمسؤولية في ذلك مسؤولية الحركة كلها، لا مسؤولية هنية وحده.

كلمات مفتاحية