-

الخراب والعمار

د. يوسف رزقة

وزير الإعلام السابق

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [1184]

معبر رفح ينتظر قراراً سيادياً يسترجع الكرامة العربية

دقيقتـان

الهدم ..

الممثل الوحيد في القفص

حسرات..

د.يوسف رزقة

استمعت يوم الثلاثاء الماضي للقاء حواري لفيصل القاسم ومنصف المرزوقي الرئيس السابق لتونس على قناة الجزيرة. كان الحوار عميقا يحكي فكر شخصية تونسية ناضلت في مجال العمل الديمقراطي وحقوق الإنسان لأكثر من ثلاثين عاما، وكانت على خصام صريح مع الاستبداد في تونس والبلاد العربية أيضا. ثم انتقلت بعد الثورة إلى مركز القرار في رئاسة تونس بالانتخاب ، وطبقت جلّ رؤيتها وسياستها في مجال الديمقراطية ومحاربة الاستبداد، إلى أن تمكنت بقايا الدولة العميقة من إخراجها من قصر قرطاج.

 

لفت نظري في كلام المرزوقي تفاؤله بانتصارت ثورات الربيع العربي، وهو يبني تفاؤله على قراءة تاريخية لدول كبيرة كالصين، وألمانيا. فالثورات العربية في ٢٠١١م كانت نتاج حالة شعبية عامة لم تعد تحتمل حالة الخراب التي فرضتها الأنظمة المستبدة على الشعوب، وعلى الدولة، وعلى النظام السياسي. لم تكن ثورات الربيع العربي تمثل حالة فردية، أو حالة حزبية، ولكنها كانت تمثل حالة عامة لشعوب ترفض الخراب والاستبداد، وتطالب بالتغيير والبناء.

 

يقول المرزوقي حالة العمار والبناء بشموليتها لا تأتي فجأة، ولكنها تأتي بعد حالة الخراب والاستبداد، وقد عاشت الصين هذه الحالة فترة طويلة، ودخل الشعب في صراع متكرر مع الدولة العميقة حتى انتصرت الشعب وجاء العمار، والحالة جرت في ألمانيا بشكل مماثل، حيث أقامت ألمانيا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بعد الخراب الذي صنعه الاستبداد فيها.

 

وفي نظر المرزوقي أن الثورة المضادة في مصر وتونس لم تحقق النصر على ثورة الشعب، لأن الثورة المضادة ما تزال امتدادا طبيعا للخراب الأول، وما تزال الثورة الشعبية في الميادين تناضل ضد الخراب، وترفض الاستسلام للاستبداد ، وستستمر هذه الحالة من المدافعة لسنوات حتى تنتصر ثورة الشعوب وترسخ قواعد الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

 

حين تمتلئ السجون بالمعتقلين، والشوارع بالمتظاهرين، فهذه علامة على أفول نجم الاستبداد والخراب، وأن المسألة مسألة وقت ليس إلا. وحين تفيض الشوارع بالدماء كما في سوريا فهذا يعني أن الثورة السورية لن تتراجع، وستصل للنصر، ولن يبقى الأسد المستبد حاكما بعد حالة الخراب، لأن حالة العمار تحتاج بالفطرة والطبيعة لحكم رجل غيره.

 

لقد تقاتلت الأحزاب والفصائل في أوربا في مرحلة الخراب كما يتقاتل السوريين وزيادة، ومات خلق كثير من جميع الأطراف، حتى تمكن العمار من الانتصار، وقادت الديمقراطية المجتمعات والبلاد، وحققت أفضل حالات العمار والبناء التي يتحدث عنها التاريخ.

 

ما يجري في البلاد العربية الآن في نظر المرزوقي هو أمر طبيعي، ومن سنن التاريخ، جرى عند غيرنا. وإن انتصار الثورات الشعبية على بقايا الدولة العميقة والخراب قادم لا محالة، ومن ثمة فإنك لا تجد ثورة مضادة مطمئنة لما في يدها، أو لغدها، لذا هي تلجأ إلى السجون وإلى القتل، وتمارس الخراب القديم.

كلمات مفتاحية